روحت اخدت مراتي حكايات زهره 5

 

أظلمت الدنيا في عيني، ووقعت كلمات العسكري عبر اللاسلكي فوق رؤوسنا كالقذيفة. العصابة لم تكتفِ بالأوراق، بل أخذت تامر ليدفنوا سره وسر مغارتهم إلى الأبد! نظرت إلى ضابط المباحث الذي تملكه غضب عارم، وصاح في جهازه: “عمموا النشرة في كل مكان! اقفلوا كل المخارج والطرق الصحراوية والمدقات الجبلية المؤدية للبحر الأحمر فوراً!”

التفت إليّ الضابط وقال بصوت قوي: “أحمد، مفيش وقت للدموع. عتمان ورجالته اللي اتمسكوا في المديرية هما مفتاحنا الوحيد دلوقتي. لازم نعرف مين من رجالتهم برة اللي نفذ العملية دي، ومكانهم فين.”

عدنا إلى المحافظة بسرعة جنونية لم أشهدها في حياتي. دخلنا غرفة التحقيق بمديرية الأمن، حيث كان “الريس عتمان” يجلس ببرود صخري. اندفع الضابط نحوه، وضغط على عنقه بقوة قائلاً: “رجالتك اقتحموا المستشفى وخطفوا تامر! انطق يا عتمان.. تامر فين؟ الشنطة والأوراق بقت معاكم، لو الواد جرى له حاجة، حبل المشنقة هيلف حوالين رقبتكم كلكم بتهمة الإ**رهاب وق*تل نفس عمد!”

تغيرت ملامح عتمان لأول مرة، وبدا عليه القلق من تحول القض*ية إلى تهمة إرهاب دولي، فقال بصوت متحشرج: “أنا ماليش صالح بالاقتحام ده يا باشا! أنا ورجالتي الكبار هنا في الحجز.. لكن.. لكن فيه واد اسمه ‘صابر الأعرج’، ده دراعي اليمين برة، وهو الوحيد اللي معاه نسخة من خريطة المغارات القديمة المتروكة في جبل ‘الشايب’. لو تامر مع حد، هيبقى مع صابر هناك عشان يجبروه يقولهم على الأرقام السرية لباقي الحسابات اللي تامر كان مخبيها!”

لم ننتظر ثانية واحدة. تحركت قوة أمنية جبلية مشتركة من الصاعقة والعمليات الخاصة، وركبت في السيارة القيادية بجوار الضابط، وأنا أدعو الله وأقرأ القرآن في سري، طالباً النجاة لعائلتي التي تشتتت.

وصلنا إلى منطقة جبل “الشايب” مع بزوغ خيوط الفجر الأولى. كانت المنطقة وعرة للغاية، صخورها مدببة وسوداء كأنها جحيم خامد. ترجلت القوات بأسلحتهم الثقيلة، وبدأنا نتسلق ممرًا ضيقًا للغاية بناءً على وصف عتمان للمغارة القديمة.

وفجأة، لمح أحد القناصة التابعين للأمن حركة عند فوهة مغارة بعيدة. أطلق الضابط إشارة البدء، وانطلقت القوات كالعاصفة. دوت طلقات الرصاص بغزارة، وتطايرت الشظايا من حولنا. تقدمت خلف الصفوف والدماء تغلي في عروقي، فلم أعد خائفاً من الموت؛ أخي هناك، وبيتي احترق، وأمي تسممت، ومستعد للتضحية بكل شيء لإنهاء هذا الكابوس.

اقتحمت القوات المغارة بعد تصفية اثنين من الحراس وشل حركة الآخرين. قذفت بنفسي للداخل، ليعتصر قلبي مشهد مرعب: تامر كان معلقاً من يديه بسلاسل حديدية في سقف المغارة، وجسده ينزف من كل مكان جراء التعذيب، وأمامه “صابر الأعرج” يمسك بسوط حديدي ويحاول إجباره على الكلام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!