شعرت بغثيان شديد وكأن الأرض تميل بي، والتفتُّ إلى الطبيب وأنا أقبض على قميصه بكل ما تبقى لي من قوة مستهلكة: "دكتور.. أرجوك قولي إنك بتهزر! أمي؟ أمي فيها إيه تاني؟ مش كفاية اللي حصلنا؟!" أخذ الطبيب نفسًا عميقًا، وأمسك بيدي ليتأكد من ثباتي، ثم قال بصوت خفيض: "أستاذ أحمد، أنا مقدر حجم الصدمات اللي ورا بعض، بس واجبي الطبي والمهني يخليني أنبهك. الحجة والدتك لما جت مع الحاج وتامر بسبب اللحمة، عملنالها غسيل معدة وتحاليل سموم روتينية زي الباقيين. السموم الفوسفورية اللي في اللحمة نزلت والحمد لله، والحاج بدأ يتعافى.. لكن تحليل الدم المتقدم الخاص بوظائف الكبد عند والدتك أظهر وجود مادة كيميائية تانية خالص اسمها 'ثاليوم' (Thallium)!" تراجعت خطوة للخلف وأنا أهز رأسي بعدم فهم: "ثاليوم؟ يعني إيه ثاليوم ده كمان؟" رد الطبيب بنبرة يملؤها القلق: "الثاليوم ده سائل شفاف ملُوش ريحة ولا طعم، وبيسموه 'سم الق*تلة الصامت' أو 'سُم لقمة العيش'. ده سم معدني تقيل وضار جدًا، وبيستخدم في بعض الأماكن لسم الفئران برضه بس بطريقة تانية ومختلفة عن الزرنيخ اللي استخدمه عطوه الجزار. الصدمة مش هنا.. الصدمة إن المادة دي واخدة وقتها في جسم والدتك، والتحليل بيقول إنها بقالها حوالي أسبوعين بتاخد جرعات صغيرة جدًا منه في حاجة بتشربها أو بتاكلها بانتظام، وده السبب الحقيقي اللي مخليها دبلانة وتعبانة بقالها فترة والكل فاكر إنه ضغط أو سكر! وعطوه الجزار في اعترافاته قال إنه مستهدفش غير تامر وفي برطمان العسل بتاعه بس، ومقربش من أي حاجة تخص والدتك!" خرجت من مكتب الطبيب والدموع تجري على لحييتي بلا توقف، ولم أعد أرى أمامي. تحول بيتنا إلى حقل تجارب للسموم! أخي يتسمم بالزرنيخ من جارتنا، وأمي تتسمم بالثاليوم من فاعل مجهول، ونحن ننجو من سم اللحمة بأعجوبة! من الذي يملك القدرة على تسميم أمي في بيتها وبجرعات صغيرة دون أن يشعر أحد؟ وقفت في الممر أنظر من بعيد إلى الغرفة. كانت أمي تجلس على السرير، ووجهها الطيب يملؤه التعب، ورانيا زوجتي تقف بجوارها وتساعدها على شرب بعض الماء، وحماتي تجلس على المقعد تدعو لها بصوت مسموع. صرت أشك في كل شيء وفي أي حد.. هل يعقل أن يكون هناك يد أخرى داخل هذا البيت؟ استجمعت شتات نفسي ودخلت الغرفة، وحاولت ألا أظهر أي علامة من علامات الفزع. جلست بجوار أمي، وأمسكت بيدها الدافئة وقلت: "أمي.. أنتِ بقالك أسبوعين تعبانة والدوخة مش بتسيبك.. قوليلي، في حاجة معينة بقيتي تشربيها أو تاكليها بانتظام الفترة اللي فاتت دي؟ حد جابلك علاج أو مشروب مخصوص؟" نظرت إليّ أمي بعينين متعبتين وقالت ببراءة: "لا يا بني.. أنا أكلي هو أكل أبوك وتامر، مفيش غير 'شاي الأعشاب' اللي الدكتورة مروة جارتنا في الدور التاني قالت لي عليه عشان يظبط لي المغص والقولون.. بقالي أسبوعين كل يوم بالليل بطلع لها الشقة فوق، أو هي تنزل لي، وتعملي كوباية شاي دافية بأعشاب من عندها وتقولي 'اشربيها يا حجة دي هتروق دمك'.. ربنا يكرمها بنوتة طيبة ومالهاش في القيل والقال." تسمرت في مكاني.. "الدكتورة مروة"؟ جارتنا في الدور الثاني، وهي صيدلانية شابة، وهادئة للغاية ولا تتدخل في شؤون أحد! ما علاقة مروة بالثاليوم؟ ولماذا قد تؤذي أمي الطيبة التي تعتبرها مثل ابنتها؟ في تلك اللحظة، كان ضابط المباحث قد عاد إلى المستشفى لإنهاء أوراق المعلم عطوه، فلما رآني على هذه الحالة أخذني جانبًا. حكيت له ما قاله الطبيب وما ذكرته أمي عن كوب الشاي اليومي من الجارة مروة. تغيرت ملامح الضابط فورًا، وضغط على زر جهازه اللاسلكي وقال: "ابعتولي قوة فورًا على العمارة اللي حصل فيها الحريق.. تفتيش شقة الدور التاني، والتحفظ على المدعوة مروة!" ركبت مع الضابط مرة أخرى وتوجهنا إلى بيتنا. عند وصولنا، صعدت القوة إلى الدور الثاني، وطرق الضابط الباب بقوة. انفتح الباب لتظهر مروة، وكانت ترتدي ملابس الخروج وكأنها تستعد للسفر أو الهرب! عندما رأت رجال الشرطة، سقطت حقيبة يدها من يدها، وتراجعت للخلف برعب. اندفع رجال المباحث داخل الشقة وبدأوا في تفتيش المطبخ بدقة، وخلال دقائق صرخ أحد العساكر: "لقينا حاجة يا فندم!" خرج العسكري وهو يحمل زجاجة قطارة طبية صغيرة، مخبأة خلف علب الشاي والأعشاب، ومكتوب عليها باللاتينية مادة "الثاليوم"! التفت الضابط نحو مروة وصاح فيها بقوة: "أظن المسألة مش محتاجة كلام.. الزجاجة دي بتعمل إيه عندك؟ وليه بتسممي الحجة أم أحمد بالبطيء؟!" انهارت مروة تمامًا، وجلست على المقعد تبكي بهستيرية، ونظرت إليّ بعيون يملؤها الغل والحقد وقالت بصوت مرتجف: "أنا مكنتش عاوزه أموت الحجة.. أنا كنت عاوزه أحرق قلب الحاج عبد العزيز وأحمد على عيلتهم زي ما حرقوا قلبي!" صرخت فيها بجنون: "احنا عملنالك إيه؟ ده احنا طول عمرنا بنعاملك زي أختنا!" ردت مروة بصراخ ومرارة: "أختكم؟ تامر أخوك هو السبب! تامر خطبني سري من وراكم من أربع شهور لما كان بيرجع من الجبل ومعاه فلوس كتير، ووعدني بالجواز واشترى لي شبكة وشقة تانية باسمه برة البلد، وكتب لي وصلات أمانة بفلوس كتير عشان يثبت لي جديته.. ولما قرر ينسحب من الجبل والشغل الحرام، راح خطب 'ميادة' وسابني، ولما هددته بوصلات الأمانة اللي معايا، دخل شقتي بالسر وسرق الوصلات والشبكة والعقد بتاع الشقة، وقالي 'أعلى ما في خيلك اركبيه وإياكِ تنطقي بكلمة عن شغل الجبل لأهلك أو للحكومة'!" وتابعت وهي تشهق: "ملقتش طريقة أنتقم بيها منه غير إني أوجع قلبه وقلب عيلته كلها.. عرفت من دراستي في الصيدلة تأثير الثاليوم الصامت، وبدأت أحطه لوالدته في الشاي عشان تمرض وتموت بالتدريج ويفتكروه مرض طبيعي، وكنت ناوي بعد ما تخلص الحجة، أبدأ في الحاج عبد العزيز.. لحد ما عطوه الجزار بوظ كل حاجة بجهله وحرق الشقة فوق!" وقفت مذهولاً أستمع إلى اعترافاتها الرهيبة.. أخي تامر لم يكن ضحية تمامًا، بل كانت ذنوبه ونزواته وأمواله الحرام هي المغناطيس الذي جلب لكل أفراد عائلتي الموت من كل حدب وصوب! طمعه في الجبل جلب لنا الريس عتمان، ورعونته وخيانته لعهوده جلبت لنا حقد عطوه الجزار، وسرقته وظلمه لمروة جلب السّم لجسد أمي الطيبة! أخذت الشرطة مروة مكلبشة، وعدت إلى المستشفى بجسد منهد وعقل مكسور. دخلت على والدي وتامر، ونظرت إلى تامر ب غضب شديد وقلت له: "أمي كانت هتموت بسببك وبسبب قذارتك يا تامر! مروة الجارة طلعت هي اللي بتسمم أمك عشان تنتقم منك!" انكسر تامر تمامًا وصمت ولم ينطق بكلمة، بينما وضع والدي يده على وجهه يبكي خزيًا وندمًا على ما اقترفته يدا ابنه الصغير الذي دلله حتى أضاع العائلة. وفي وسط هذه الأجواء المشحونة بالحزن والدموع، وبينما كنت أظن أن الأقنعة كلها قد سقطت، وأن كل مجرم قد نال جزاءه، التفتُّ إلى حماتي (أم رانيا) التي كانت تنظر إلى تامر بنظرة غريبة جدًا، لم تكن نظرة شفقة ولا صدمة.. بل كانت نظرة خوف دفين، ثم اقتربت مني وهمست في أذني بصوت يرتجف: "أحمد.. الكلام اللي مروة قالته عن الشقة التانية اللي تامر اشتراها برة البلد.. الشقة دي أنا عارفاها.. وتامر مخبي فيها حاجة تانية مرعبة لو الحكومة وصلت لها، عيلتنا كلها هتروح في داهية!" تراجعت خطوة للخلف وأنا أنظر لحماتي بذهول.. ما الذي يعرفه حماتي عن أسرار تامر برة البلد؟ وما هي الكارثة الجديدة التي تنتظرنا في تلك الشقة؟ وقعت كلمات حماتي في أذني كأنها جمر ملتهب. تجمدت في مكاني ونظرت إليها، فما عاد عقلي يستوعب المزيد من المفاجآت أو الكوارث. التفتُّ حولنا للتأكد من أن أحداً من رجال الشرطة لم يسمع همسها، ثم جذبتها برفق من ذراعها إلى نهاية الممر الطويل، بعيداً عن الغرفة وعن أعين الجميع. كانت حماتي ترتجف، وصوت أنفاسها المتسارعة ينم عن رعب حقيقي. نظرت في عينيها اللتين غامتا بالدموع وقلت لها بصوت مخنوق: "شقة إيه يا أمي؟ وتامر مخبي فيها إيه؟ وأنتِ إيش عرفك بأسراره وشقته اللي برة البلد؟ أرجوكي اتكلمي وقولي كل حاجة.. بيتي اتحرق، وأمي وأخويا وأبويا بين الحيا والموت، والشرطة في كل مكان، مابقاش فيه وقت للمدارية!" أخذت حماتي نفساً عميقاً وهي تلتفت حولها برعب، ثم بدأت تتحدث بصوت خافت يكاد يسمع: "يا بني، تامر لما رجع من الجبل من شهر ومعه الفلوس الكتير دي، مكانش بيثق في حد أبدًا ولا حتى في أبوه أو فيك أنت.. كان خايف حد يطمع فيه أو يبلغ عنه. وبحكم إن رانيا بنتي مراته، وهو كان بيعتبرني زي أمه ويدخل بيتي كتير، جه في يوم وطلب مني طلب غريب.. قال لي إنه اشترى شقة صغيرة في المحافظة جنبا، باسم مستعار، وعاوزني أحتفظ بشنطة حديد مقفولة برقم سري عنده في الشقة دي، وقال لي 'يا أم رانيا، الشنطة دي فيها أمان ومستقبل رانيا بنتك والمولود الجديد لو جرالي حاجة في الجبل'." وتابعت حماتي والدموع تفر من عينيها: "أنا طوعته بحسن نية وقولت ده بيأمن بنت اختي وبنته، وأخدني بنفسي للشقة دي من أسبوعين عشان أطمن على المكان، وساب المفتاح معايا أنا.. وقالي الشنطة دي فيها سبائك دهب وفلوس من الشغل الحرام اللي كان شغال فيه، وأوراق تثبت إدانة ناس كبار في الجبل لو حاولوا يغدروا بيه! الكارثة مش هنا يا أحمد.. الكارثة إن تامر لما تعب ودخل المستشفى، كلمني في السر من تليفون الممرضة وقالي: 'يا أم رانيا، عتمان ورجالة الجبل مش هما اللي سمموني.. بس هما عرفوا مكان الشقة اللي فيها الأوراق والشنطة، وفيه حد منهم جاي يخلص على العيلة كلها وياخد الشنطة دي!'.. أنا خايفة يا بني، خايفة ليكون الحريق اللي حصل في شقتكم فوق كان مجرد تمويه، والناس دي تكون دلوقتي في طريقها للشقة التانية أو لينا هنا في المستشفى!" شعرت بركبتي تكادان لا تحملانني. الأمر إذن لم يكن مجرد انتقام شخصي من عطوه الجزار أو مروة الصيدلانية؛ تامر كان يلعب مع ذئاب الجبل لعبة الموت، ويحتفظ بأوراق تقطع رقابهم جميعاً، وهؤلاء المجرمون لن يتوقفوا حتى يمحوا عائلتنا بالكامل عن وجه الأرض ليضمنوا دفن أسرارهم! عدت مسرعاً إلى غرفة الطوارئ، ووجدت ضابط المباحث يستعد للمغادرة بعد التحفظ على مروة. أخذته جانباً وقررت أن أكون صريحاً معه لأحمي عائلتي: "يا فندم.. الكابوس لسه مخلصش. تامر معاه أوراق وشنطة في شقة تانية في المحافظة المجاورة، والأوراق دي فيها إدانة لشبكة التنقيب كلها، ورجالة الجبل قالبين الدنيا عليها وممكن يوصلوا لها في أي لحظة أو ييجوا يخلصوا علينا هنا!" تغيرت ملامح الضابط فوراً وأصبح في غاية الجدية: "أنت بتتكلم جد يا أحمد؟ الشقة دي فين بالظبط؟ ومفتاحها فين؟" أخرجت حماتي المفتاح من حقيبتها ويدها ترتعش وقالت: "المفتاح أهو يا باشا.. الشقة في برج الأندلس في الدور الخامس بشارع المحافظة." قال الضابط بحسم وهو يضغط على اللاسلكي: "يتم تأمين المستشفى بالكامل فوراً وبأقصى درجات الحيطة.. وقوة مدرعة تتحرك معايا حالا للمحافظة التانية!" ثم نظر إليّ وقال: "أحمد.. أنت وحماتك هتيجوا معايا في العربية، لازم نفتح الشقة دي ونأمن الشنطة والأوراق قبل ما العصابة تحط إيدها عليها، دي قض*ية أمن دولة!" ركبنا سيارات الشرطة مرة أخرى، وانطلقت القوة بسرعة جنونية عبر الطريق الصحراوي بين المحافظتين. كان الليل قد أسدل ستاره المظلم على الطريق، والتوتر داخل السيارة وصل لذروته. كنت أنظر إلى الطريق وأدعو الله أن نصل قبل فوات الأوان، وأن تنتهي هذه السلسلة من اللعنات التي جلبها طمع أخي على رؤوسنا. وصلنا إلى المحافظة المجاورة بعد حوالي ساعة ونصف من القيادة السريعة، وتوقفت القوة أمام "برج الأندلس". كان الشارع هادئاً ومظلماً. ترجل رجال العمليات الخاصة بأسلحتهم، وصعدنا السلم ببطء وبخطوات صامتة حتى وصلنا إلى باب الشقة في الدور الخامس. أشار الضابط لي بالابتعاد، وتقدم أحد العساكر وبدأ في إدخال المفتاح في القفل.. لكن المفاجأة التي جمدت الدماء في عروقنا جميعاً، هي أن الباب انفتح بمجرد لمسه! لم يكن مغلقاً، وكان القفل مكسوراً بعنف من الداخل! تبادل الضابط النظرات مع رجاله، واقتحمت القوة الشقة بسرعة البرق وسط ظلام دامس. ساد صمت رهيب لثوانٍ، ثم أضاء العساكر كشافاتهم.. لتظهر الشقة في حالة فوضى عارمة؛ المقاعد مقلوبة، والأدراج مفتوحة وملقاة على الأرض، والملابس ممزقة في كل مكان. ركضت حماتي نحو الغرفة الداخلية وهي تصرخ: "الدولاب! الشنطة كانت في أرضية الدولاب!" دخلنا خلفها، لنجد خزنة حديدية صغيرة ملقاة في منتصف الغرفة، وقد تم فتحها باستخدام صاروخ كهربائي لقطع الحديد.. وكانت فارغة تماماً! الأوراق والسبائك وكل شيء كان قد اختفى! وفي تلك اللحظة بالذات، وبينما كان الضابط يعاين الخزنة المكسورة بغضب، رن هاتف الضابط اللاسلكي، وجاءه صوت العسكري المكلف بتأمين المستشفى من المحافظة الأخرى، وصوته يرتجف من الذعر: "يا فندم! الحقنا يا فندم! فيه مجموعة مسلحة وملثمة اقتحمت المستشفى حالا، وتبادلوا إطلاق النار معانا، وأخدوا تامر الحاج عبد العزيز من سريره بالعافية وهربوا بيه في عربية نقل جبلية!" سقطت الكشافات من أيدينا، وتلاقت أعيننا في الظلام.. العصابة لم تكن تبحث عن الشنطة فقط، بل كانت شقة المحافظة مجرد خطوة أولى، والآن أخي تامر في قبضتهم، وعائلتي كلها أصبحت تحت رحمتهم! أظلمت الدنيا في عيني، ووقعت كلمات العسكري عبر اللاسلكي فوق رؤوسنا كالقذيفة. العصابة لم تكتفِ بالأوراق، بل أخذت تامر ليدفنوا سره وسر مغارتهم إلى الأبد! نظرت إلى ضابط المباحث الذي تملكه غضب عارم، وصاح في جهازه: "عمموا النشرة في كل مكان! اقفلوا كل المخارج والطرق الصحراوية والمدقات الجبلية المؤدية للبحر الأحمر فوراً!" التفت إليّ الضابط وقال بصوت قوي: "أحمد، مفيش وقت للدموع. عتمان ورجالته اللي اتمسكوا في المديرية هما مفتاحنا الوحيد دلوقتي. لازم نعرف مين من رجالتهم برة اللي نفذ العملية دي، ومكانهم فين." عدنا إلى المحافظة بسرعة جنونية لم أشهدها في حياتي. دخلنا غرفة التحقيق بمديرية الأمن، حيث كان "الريس عتمان" يجلس ببرود صخري. اندفع الضابط نحوه، وضغط على عنقه بقوة قائلاً: "رجالتك اقتحموا المستشفى وخطفوا تامر! انطق يا عتمان.. تامر فين؟ الشنطة والأوراق بقت معاكم، لو الواد جرى له حاجة، حبل المشنقة هيلف حوالين رقبتكم كلكم بتهمة الإ**رهاب وق*تل نفس عمد!" تغيرت ملامح عتمان لأول مرة، وبدا عليه القلق من تحول القض*ية إلى تهمة إرهاب دولي، فقال بصوت متحشرج: "أنا ماليش صالح بالاقتحام ده يا باشا! أنا ورجالتي الكبار هنا في الحجز.. لكن.. لكن فيه واد اسمه 'صابر الأعرج'، ده دراعي اليمين برة، وهو الوحيد اللي معاه نسخة من خريطة المغارات القديمة المتروكة في جبل 'الشايب'. لو تامر مع حد، هيبقى مع صابر هناك عشان يجبروه يقولهم على الأرقام السرية لباقي الحسابات اللي تامر كان مخبيها!" لم ننتظر ثانية واحدة. تحركت قوة أمنية جبلية مشتركة من الصاعقة والعمليات الخاصة، وركبت في السيارة القيادية بجوار الضابط، وأنا أدعو الله وأقرأ القرآن في سري، طالباً النجاة لعائلتي التي تشتتت. وصلنا إلى منطقة جبل "الشايب" مع بزوغ خيوط الفجر الأولى. كانت المنطقة وعرة للغاية، صخورها مدببة وسوداء كأنها جحيم خامد. ترجلت القوات بأسلحتهم الثقيلة، وبدأنا نتسلق ممرًا ضيقًا للغاية بناءً على وصف عتمان للمغارة القديمة. وفجأة، لمح أحد القناصة التابعين للأمن حركة عند فوهة مغارة بعيدة. أطلق الضابط إشارة البدء، وانطلقت القوات كالعاصفة. دوت طلقات الرصاص بغزارة، وتطايرت الشظايا من حولنا. تقدمت خلف الصفوف والدماء تغلي في عروقي، فلم أعد خائفاً من الموت؛ أخي هناك، وبيتي احترق، وأمي تسممت، ومستعد للتضحية بكل شيء لإنهاء هذا الكابوس. اقتحمت القوات المغارة بعد تصفية اثنين من الحراس وشل حركة الآخرين. قذفت بنفسي للداخل، ليعتصر قلبي مشهد مرعب: تامر كان معلقاً من يديه بسلاسل حديدية في سقف المغارة، وجسده ينزف من كل مكان جراء التعذيب، وأمامه "صابر الأعرج" يمسك بسوط حديدي ويحاول إجباره على الكلام. بمجرد رؤية الشرطة، حاول صابر رفع س*لاحه، لكن رصاصة دقيقة من الضابط شلت حركته وسقط أرضاً. ركضت نحو تامر، وبمساعدة العساكر أنزلناه. ارتمى في حضني وهو يبكي بكاء طفلاً صغيراً ويصرخ: "أحمد.. سامحني.. أنا أسف يارب.. أنا التوبة يارب!" حملت القوات تامر إلى سيارة الإسعاف المرافقة، وتم التحفظ على الأوراق والسبائك المستعصية التي كانت بحوزة العصابة داخل المغارة، لتنتهي بذلك أسطورة "دهابة الجبل" إلى الأبد بفضل الله ثم يقظة رجال الأمن. **الخاتمة والحكمة:** بعد مرور ستة أشهر على تلك الأحداث الرهيبة، كنت جالسًا في شقتنا الجديدة التي استأجرتها، ورانيا زوجتي بجواري تحمل ابنتنا "رانيا الصغيرة" التي أتمت شهرها السابع، وأمي وأبي يجلسان معنا بصحة جيدة بعد أن تعافيا تمامًا من آثار السموم، وعادت الابتسامة لبيتنا بعد دهر من الحزن والدموع. أما تامر، فقد عوقب بالسجن لثلاث سنوات بتهمة الاشتراك في تنقيب غير مشروع، لكنه تقبل الحكم برضا تام، وكان يقول لنا في كل زيارة: *"السجن حماني من نفسي، وكان طوق النجاة اللي ربنا بعتهولي عشان أطهر فلوسي وصحتي قبل ما أقابل ربنا بذنب أكبر."* نلتفت اليوم إلى ما حدث، لنخرج بـ**الحكمة البالغة** التي دفعنا ثمنها من دمنا وحياتنا: 1. **شؤم المال الحرام:** إن المال الذي يأتي من غير حله، وبطرق غير مشروعة، لا يجلب لصاحبه إلا اللعنة والدمار. فلوس تامر الحرام كانت كالمغناطيس الذي جذب لبيتنا الموت والخيانة؛ حركت طمع الجزار (عطوه)، وحركت غل الصيدلانية (مروة)، وجلبت رصاص العصابات. المال الحرام يحرق صاحبه ويحرق من حوله. 2. **خطورة سوء الظن والعناد:** والدي الحاج عبد العزيز، كاد يق*تل عائلته بنفسه لأنه استهان بالتحذير، وعاند، وافترض السوء بحماتي وظن أنها تبخل باللقمة. "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم". الجهل الممزوج بالكبرياء يقود دائماً إلى الهلاك. 3. **الرضا والقناعة:** لو قنع تامر براتبه الحلال في المقاولات، ولو قنع عطوه برزقه في الجزارة، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. الطمع يغلق الأعين ويفسد القلوب. 4. **النوايا الطيبة تنجي أصحابها:** حماتي (أم رانيا) التي تحركت بحسن نية وكتبت ورقة تحذيرية لحمايتنا، كانت نيتها الطيبة وصيتها الصادق هما السبب الذي كشف كل هذه الشبكات الخفية وأنقذ تامر من موت محقق بالزرنيخ والثاليوم. عادت حياتنا هادئة، وعرفنا أن الخير فيما اختاره الله، وأن الالتزام بالحق والصدق والحلال هو الحصن الوحيد الذي يحمي الإنسان في الدنيا والآخرة.