روحت اخدت مراتي حكايات زهره 5

وتابعت وهي تشهق: “ملقتش طريقة أنتقم بيها منه غير إني أوجع قلبه وقلب عيلته كلها.. عرفت من دراستي في الصيدلة تأثير الثاليوم الصامت، وبدأت أحطه لوالدته في الشاي عشان تمرض وتموت بالتدريج ويفتكروه مرض طبيعي، وكنت ناوي بعد ما تخلص الحجة، أبدأ في الحاج عبد العزيز.. لحد ما عطوه الجزار بوظ كل حاجة بجهله وحرق الشقة فوق!”
وقفت مذهولاً أستمع إلى اعترافاتها الرهيبة.. أخي تامر لم يكن ضحية تمامًا، بل كانت ذنوبه ونزواته وأمواله الحرام هي المغناطيس الذي جلب لكل أفراد عائلتي الموت من كل حدب وصوب! طمعه في الجبل جلب لنا الريس عتمان، ورعونته وخيانته لعهوده جلبت لنا حقد عطوه الجزار، وسرقته وظلمه لمروة جلب السّم لجسد أمي الطيبة!
أخذت الشرطة مروة مكلبشة، وعدت إلى المستشفى بجسد منهد وعقل مكسور. دخلت على والدي وتامر، ونظرت إلى تامر ب غضب شديد وقلت له: “أمي كانت هتموت بسببك وبسبب قذارتك يا تامر! مروة الجارة طلعت هي اللي بتسمم أمك عشان تنتقم منك!”
انكسر تامر تمامًا وصمت ولم ينطق بكلمة، بينما وضع والدي يده على وجهه يبكي خزيًا وندمًا على ما اقترفته يدا ابنه الصغير الذي دلله حتى أضاع العائلة.
وفي وسط هذه الأجواء المشحونة بالحزن والدموع، وبينما كنت أظن أن الأقنعة كلها قد سقطت، وأن كل مجرم قد نال جزاءه، التفتُّ إلى حماتي (أم رانيا) التي كانت تنظر إلى تامر بنظرة غريبة جدًا، لم تكن نظرة شفقة ولا صدمة.. بل كانت نظرة خوف دفين، ثم اقتربت مني وهمست في أذني بصوت يرتجف: “أحمد.. الكلام اللي مروة قالته عن الشقة التانية اللي تامر اشتراها برة البلد.. الشقة دي أنا عارفاها.. وتامر مخبي فيها حاجة تانية مرعبة لو الحكومة وصلت لها، عيلتنا كلها هتروح في داهية!”
تراجعت خطوة للخلف وأنا أنظر لحماتي بذهول.. ما الذي يعرفه حماتي عن أسرار تامر برة البلد؟ وما هي الكارثة الجديدة التي تنتظرنا في تلك الشقة؟
وقعت كلمات حماتي في أذني كأنها جمر ملتهب. تجمدت في مكاني ونظرت إليها، فما عاد عقلي يستوعب المزيد من المفاجآت أو الكوارث. التفتُّ حولنا للتأكد من أن أحداً من رجال الشرطة لم يسمع همسها، ثم جذبتها برفق من ذراعها إلى نهاية الممر الطويل، بعيداً عن الغرفة وعن أعين الجميع.
كانت حماتي ترتجف، وصوت أنفاسها المتسارعة ينم عن رعب حقيقي. نظرت في عينيها اللتين غامتا بالدموع وقلت لها بصوت مخنوق: “شقة إيه يا أمي؟ وتامر مخبي فيها إيه؟ وأنتِ إيش عرفك بأسراره وشقته اللي برة البلد؟ أرجوكي اتكلمي وقولي كل حاجة.. بيتي اتحرق، وأمي وأخويا وأبويا بين الحيا والموت، والشرطة في كل مكان، مابقاش فيه وقت للمدارية!”

