حقى حكايات ندى الجمل 3

وقف أحمد يبص لأمه في صمت.
وقال بهدوء:
“ابعدي يا أمي.”
هزت سهير رأسها بعناد.
“مش هبعد.”
قال:
“آخر مرة بقولها… ابعدي.”
ردت وهي واقفة قدام الباب:
“مش هفتح الأوضة، ومش هتدخلها.”
هبة كانت واقفة وراها، وشها كله خوف.
أحمد بص لأخته وقال:
“هبة… قولي لماما تبعد.”
هبة نزلت عينيها في الأرض، ومقدرتش تنطق.
وقتها أحمد فهم…
إن أمه عارفة كل حاجة.
قرب خطوة.
وقالت سهير وهي رافعة إيديها تمنعه:
“لو لمست الباب ده، تبقى بتكسر كلمة أمك.”
قال أحمد بصوت كله وجع:
“واللي انكسر بقاله 12 سنة… حق مراتي وولادي.”
وبحركة واحدة…
زحزح أمه من قدام الباب من غير ما يؤذيها.
فتح الباب.
كان مخزن صغير.
وفي آخره…
شنطة سفر سودة كبيرة.
أول ما هبة شافتها، جريت عليها.
لكن أحمد كان أسرع.
شالها بإيده.
ومن ثقلها عرف إن اللي جواها مش قليل.
شدها ناحية الباب.
لكن سهير مسكت الناحية التانية بكل قوتها.
وقالت وهي بتصرخ:
“سيب الشنطة… دي بتاعتي.”
رد أحمد بغضب:
“بتاعتك إزاي؟!”
قالت:
“أنا اللي اشتريتها.”
قال:
“بفلوس مين؟”
سكتت.
شد الشنطة منه.
وهي شدتها الناحية التانية.
وهبة دخلت تساعد أمها.
وأنا جريت أبعد هبة عن أحمد.
وفجأة…
اتقطع مقبض الشنطة.
ووقعت على الأرض.
واتفتحت…
واتناثرت سبايك الدهب، والغوايش، والأطقم، والإيصالات في كل أوضة المخزن.
ساد صمت مرعب.
أحمد نزل على ركبته.
رفع أول سبيكة من على الأرض.
وبعدين رفع عينه ناحية أمه.
وقال بصوت مكسور:
“يعني… كل ده كان بيتجمع وأنا فاكر إن مراتي وولادي عايشين مرتاحين؟”
سهير جريت تجمع الدهب وهي بتصرخ:
“محدش يلمسه… ده حقي.”
لكن أحمد مد إيده…
ولم الشنطة من جديد.
وقال وهو قافل السوستة:
“من النهارده… ولا جرام من الدهب ده هيفضل هنا.”
في اللحظة دي…
سهير وقفت قدامه، وحطت إيديها على الشنطة، وقالت بعين مليانة تحدي:
“لو عايز تخرج بيها… لازم تعدي من فوق جثتي.”

فضل أحمد ماسك الشنطة.
وباصص لأمه في صمت.
كان واضح إنه بيحاول يسيطر على نفسه.
قال بهدوء:
“يا أمي… آخر مرة هقولها… سيبي الشنطة.”
سهير زادت تمسكها بيها، وقالت بعناد:
“مش هسيبها.”
قال:
“الدهب ده مش بتاعك.”
صرخت في وشه:
“ده مالي… وأنا تعبت فيه.”
رد أحمد وهو بيبصلها بوجع:
“لا… ده تعب غربتي… وحرماني من مراتي وولادي.”
حاول يسحب الشنطة بهدوء.
لكن سهير اتعلقت بيها بكل قوتها.
وهبة جريت تمسك أمها وهي بتقول:
“يا ماما… سيبيها… خلاص.”
لكن سهير زقتها وهي بتصرخ:
“اسكتي… محدش هياخد مني حاجة.”
شد أحمد الشنطة مرة تانية.
وفي اللحظة دي…
السوستة اتفتحت.
واتناثرت سبايك الدهب للمرة التانية على الأرض.
سهير رمت نفسها على الدهب، وفضلت تجمعه بإيديها وهي بتبكي.
كانت بتحضنه كأنه روحها.
أحمد وقف يبصلها، والدموع مالية عينيه.
وقال:
“أنا عمري ما كنت هبخل عليكي بحاجة لو طلبتيها.”
رفعت رأسها وبصتله.
كمل وهو صوته بيتهز:
“لكن ليه؟… ليه تحرميني من إني أصرف على بيتي؟ ليه تخليني أعيش فاكر إن مراتي وولادي مرتاحين، وهم بياخدوا نص حقهم؟”
لأول مرة…
سهير سكتت.
ولا عرفت ترد.
أما هبة…
فانهارت في العياط.
وقالت:
“أنا السبب… سامحني يا أحمد.”
بصلها وقال:
“لأ… إنتِ شريكة… لكن اللي وجعني بجد…”
وسكت وهو بيبص لأمه.
“…إن اللي علمني الصح… هو أول واحد ظلمني.”
الكلمة نزلت على سهير زي السهم.
بدأت تعيط لأول مرة.
لكن أحمد نزل على ركبته، ولمّ الدهب كله بهدوء.
حطه في الشنطة.
وقفلها.
وشالها.
المرة دي…
لا سهير قدرت تمنعه.
ولا هبة قدرت تنطق.
وقبل ما يخرج من الشقة…
لف وبص لأمه وقال:
“حق مراتي وولادي راجع… لكن ثقتي فيكي… مش عارف هترجع ولا لأ.”
وسابهم…
ونزل وأنا ماشية جنبه…
والشنطة في إيده.
وأول ما ركبنا العربية…
بصلي وقال:
“بكرة الصبح… هنبدأ نرجع كل حاجة لمكانها.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!