## الجزء الخامس: حبل المشنقة الصوت اللي طلع من ضلمة السلم مكنش غريب عليا، بس ظهوره في التوقيت ده بالذات كان زي الصاعقة اللي نزلت فوق دماغ سيف وفريدة. خطوتها كانت تقيلة، متهادية، وفيها كسر نفس وفي نفس الوقت فيها غضب مكتوم بقاله سنين. حماتي! وقفت على أول عتبة من السطح، منورة كشاف تليفونها القديم على وشوشهم. وشها كان شاحب زي الأموات، وعينيها غرقانة بالدموع، بس الدموع دي مكنتش دموع ضعف.. دي كانت دموع صدمة أم اكتشفت إن ابنها اللي تعبت فيه طلع حرامي بيسرق لحم أخوه الميت. بصت لسيف وهو راكع في البلكونة ماسك إيده اللي بتنزف، وقالت بصوت مرتعش بس طالع من غل قلبها: "بتسرق يا سيف؟ بتتسحب في نص الليل زي الفئران عشان تسرق حق ولاد أخوك؟ هي دي الأمانة اللي سيبهالك أخوك قبل ما يموت؟" سيف وشه جاب ألوان، وحاول يقوم وهو بيترعش: "يا أمي افهميني.. فريدة هي اللي.." "اخرس!" صرخت فيه حماتي بصوت زلزل السلم كله، صرخة خلت فريدة نفسها ترجع خطوة لورا بخوف. حماتي كملت وكأنها بتلف حبل المشنقة حوالين رقبتهم: "أنا اللي غلطانة.. أنا اللي دلعتك ووقفت في صفك لما جيت تظلم هناء وولادها، قولت ابني الكبير وعايز يعيش ويسكن. لكن توصل بيك الدناوة إنك تيجي تسرق ورق الشهر العقاري عشان الست دي؟" وبصت لفريدة بقرف واشمئزاز: "عشان حتة العقد المزور اللي معاها؟" فريدة حاولت تستجمع بجاحتها وقالت وهي بتعدل هدومها: "جرى إيه يا حمايا؟ ابنك واخد مني شقا عمري وفلوس تظبيط الشقة، وأنا مش هسيب حقي، والبيت ده من حقي أخد فيه شقة!" حماتي قربت منها وبصت في عينها مباشرة، وقالتلها بكل برود قاتل: "حقك؟ الشقة اللي بتتخانقوا عليها دي، والأرض اللي البيت مبني عليها، الورق الأصلي بتاعها مش جوه في الدولاب عند هناء يا فريدة.. الورق الأصلي معايا أنا في شقتي تحت، ومكتوب باسم ولاد المرحوم أحمد من قبل ما يموت بسنة! اللي جوه عند هناء دي صور ضوئية عشان القضايا اللي كانت هترفعها عليكم الصبح!" الكلمة نزلت على سيف وفريدة زي الصاعقة. سيف بص لفريدة بذهول، وفريدة حست إن الأرض بتلف بيها. يعني كل التخطيط، والسرقة، والنطة من البلكونة، وإيد سيف اللي اتصابت.. كل ده كان على سراب! أنا كنت واقفة عند باب المطبخ، ماسكة إيد الهون في إيد، والتليفون في الإيد التانية، وبتابع المشهد بوجع بس بنصر داخلي. ربنا مبيسبش حق الأيتام أبداً، والطبخة اللي طبخوها سوا، اتقلبت عليهم في ثواني. رفعت تليفوني تاني وقولت بصوت عالي ومسموع: "التسجيل اتبعت للمحامي يا سيف.. والجروب بتاع العيلة والمنطقة كله دلوقتي بيسمع صوتك وصوت الست هانم وهي بتوزك على السرقة. الفيديو والصوت بقوا مع نص المنطقة دلوقتي." سيف بدأ يعيط زي العيال الصغيرة، وبص لفريدة بغل وعمى: "خربتي بيتي! ضيعتيني وضيعتي سمعتي في المنطقة! أنا كنت محترم وسط الناس.. بقيت حرامي بسببك!" فريدة بصتله باحتقار وقالتله: "إنت اللي جبان ومبتعرفش تتصرف! ضيعت فلوسي وضيعت الشقة!" ولفة وشها عشان تنزل، بس حماتي وقفت في طريقها على السلم وقالتلها بلهجة حاسمة: "مش هتنزلي من هنا يا فريدة.. البوليس زمانه على وصول، هناء كلمتهم من أول ما سمعت خربشتكم على الباب، ومحضر السرقة والشروع في القتل والتعدي على حرمة ملك غير متسجل وجاهز." فريدة وشها اصفر، وبدأت تتلفت حوالين نفسها زي القطة المحبوسة في مصيدة. وسيف قعد على الأرض، حاطط راسه بين رجليه وبيعيط من الألم والفضائح اللي هتحاصره مع أول ضوء للنهار. بصيت ليهم هما الاتنين، وحسيت بنقاء غريب جوايا. الخوف اللي كان مالي قلبي ملوش وجود دلوقتي. وبصيت لحماتي اللي نظراتها ليا كانت مليانة ندم وأسف، وكأنها بتقولي بـعينيها: "سامحيني يا بنتي.. أنا اللي جبتلك ديل الكلب لحد عندك." الهدوء رجع تاني للمكان، بس المرة دي مكنش هدوء مرعب.. كان الهدوء اللي بيجي بعد ما العدالة بتاخد مجراها، وصوت سرينة عربية البوليس بدأ يظهر من بعيد وهو بيقرب من أول الشارع.. ## الجزء السادس: الحصاد المر (قبل الأخير) صوت سرينة عربية البوليس وهي بتقرب من أول الشارع كان زي المسمار الأخير اللي اتدق في نعش "سيف وفريدة". في ثواني، الدنيا اتقلبت في المنطقة. الصوت العالي اللي كان سيف خايف منه مبقاش بإيده، الناس صحيت على السارينة، والشبابيك بدأت تفتح، والكل نزل يتفرج على الفضيحة اللي بقت "لايف" على جروب المنطقة. سيف كان لسه قاعد على أرضية البلكونة، ودمه سايل، بس دموعه كانت أكتر من دمه. فريدة كانت واقفة مكانها على السلم زي الصنم، عينيها بتلف في المكان برعب، وبجاحتها اللي كانت بتطاول بيها عليا ا تخرست تماماً. دخل الظابط ومعاه أمين شرطة وعسكري، لقوا المنظر: سيف مصاب في البلكونة، وفريدة محبوسة على السلم، وحماتي واقفة زي القاضي، وأنا واقفة في المطبخ ماسكة إيد الهون والتليفون في إيدي. الظابط بص للمشهد ووجه كلامه ليا: "إيه اللي بيحصل هنا يا مدام؟ ومين الناس دي؟" قبل ما أنطق، حماتي هي اللي ردت، وصوتها كان قوي ومسمع الكل: "يا باشا، ده ابني سيف ودي مراته فريدة.. جم في نص الليل، نطوا من السطح على بلكونة شقة مرات أخوه المرحوم، عشان يسرقوا ورق الشقة والشهر العقاري ويهددوها. ومرات أخوه دافعت عن نفسها وعن عيالها الأيتام." سيف صرخ وهو بيبكي: "يا باشا أنا مدخلتش الشقة، أنا كنت واقف في البلكونة!" رديت عليه بكل برود، ورفعت التليفون في وش الظابط: "الفيديو والصوت عندك يا فندم. متسجلين وهما على السلم بيخططوا للسرقة وحرق الورق، ومصورة سيف وهو بيمد إيده يفتح الباب من جوه بعد ما نط البلكونة. والمكالمة والتسجيل ده اتبعتوا للمحامي بتاعي ولأهالي المنطقة كلهم من ربع ساعة." الظابط هز راسه وبص لأمين الشرطة: "لمهم هما الاتنين، وهاتوا حد من الإسعاف يربط إيد الأستاذ ده، ويتحولوا على القسم." فريدة لما لقت العسكري بيقرب منها عشان يكلبشها، صرخت وبدأت تتنطط زي المجنونة: "أنا ماليش دعوة! هو اللي قالي الورق جوه! هو اللي قالي تعالي معايا! هو اللي نصب عليا وأخد فلوسي وضحك عليا وقال هكتبلك الشقة باسمك!" سيف بص لها بصدمة وغل: "أنا يا فريدة؟ إنتي اللي وزيتيني! إنتي اللي عميتي عيني بالفلوس وقولتيلي ارمي ولاد أخوك في الشارع! إنتي الشيطان اللي خرب بيتي ودمر علاقتي بأمي وأهلي!" بقوا يرموا التهم على بعض زي الكلاب اللي بتتخانق على عضمية، والظابط يزعق فيهم عشان يسكتوا. نزلوا بيهم على السلم وسط نظرات الاحتقار من الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم وفي الشارع. الكل كان بيبص لسيف بقرف.. الراجل اللي كان مالي مركزه وسط الناس، نازل متكلبش ومفضوح لإن عينه جت على حق ولاد أخوه الميت. حماتي قعدت على أول عتبة، حطت راسها بين إيديها وبكت بكسرة ونحيب يقطع القلب. قربت منها، ورغم كل اللي عملته معايا، مأهانش عليا كبرها وسنها. وطيت عليها وحطيت إيدي على كتفها: "وحدي الله يا حمايا، قومي ادخلي جوه معايا." بصتلي وعينيها حمرا من الدموع: "تسامحيني يا هناء؟ تسامحيني يا بنتي؟ أنا اللي عميت عيني عنه، وقولت ابني وسندي، وكنت باجي عليكي وعلى لحم الغالي أحمد عشان أرضيه.. وفي الآخر طلع حرامي وندل وكان عايز يسرق عيال أخوه!" مسحت دموعها وقولت لها بوجع: "المسامح ربنا يا حمايا.. بس ربنا ميرضاش بالظلم، واللي حصل ده حماية ليكي وليا وللعيال. الورق اللي قولتِ إنه معاكي تحت.. ده بجد؟" حماتي هزت راسها وطلعت من جيب جلابيتها مفتاح صغير: "آه يا بنتي بجد. أحمد الله يرحمه قبل ما يموت، كان حاسس إن سيف عينه مش شبعانة، فجابني وكتب البيت كله بيع وشراء لعياله، وشال الورق الأصلي والشهر العقاري معايا أنا، وقالي متطلعيهوش إلا لو سيف فكر يظلمهم. وأنا لما لقيت سيف اتمادى وجاب الست دي، كنت هجيبلك الورق الصبح ونرفع القضية.. بس هما استعجلوا على خراب عِشهم." الليل عدا، والصبح طلع.. بس مكنش صبح عادي. كان صبح بنكهة النصر والراحة. المحامي بتاعي اتصل بيا وقالي إن موقفنا القانوني "حديد"، التسجيلات والفيديو مع شهادة حماتي تثبت جناية الشروع في السرقة بالإكراه والتعدي، وفريدة وسيف اتقبض عليهم وأمرت النيابة بحبسهم 4 أيام على ذمة التحقيق. المنطقة كلها بقت بتتكلم عن شجاعة "هناء" اللي وقفت ليهم بإيد الهون، وعن عدالة ربنا اللي ظهرت في وقتها. شقة سيف اللي تحت، اللي كانوا بيجهزوها بالفلوس الحرام، اتقفلت، وبقت ضلمة وكئيبة، زي قلوبهم بالظبط. بعد يومين من الواقعة، كنت قاعدة في الصالة مع ولادي، وحماتي قاعدة معانا بتلاعبهم ودموعها في عينيها. الباب خبط، قمت فتحت، لقيت المحامي بتاعي واقف ومبتسم، وفي إيده ملف كبير. بصيت له بلهفة: "خير يا أستاذ؟ في جديد في النيابة؟" المحامي ابتسم وقالي: "الجديد هيقلب الموازين كلها يا مدام هناء.. فريدة وسيف في النيابة اعترفوا على حاجات تانية، وفي سر خطير طلع في التحقيقات هيغير مصير البيت ده ومصيرك إنتي وولادك للأبد!" ## الجزء السابع والأخير: نهاية الظالم ونبتة الحق دخل المحامي الصالة وعلامات الانتصار مرسومة على وشه بشكل ميتوصفش. حماتي قامت وقفت وهي بتترعش، وأنا قلبي رجع يدق تاني بس المرة دي دقات ترقب وشغف عشان أعرف إيه السر اللي ممكن يقلب موازين حكايتنا بعد كل اللي حصل. قعد المحامي، فتح الملف الكبير اللي في إيده، وبصلي وبص لحماتي وقال: "فريدة وسيف في النيابة كانوا زي الفراخ المذعورة، كل واحد فيهم عايز ينجد رقبته على حساب التاني. فريدة لما لقت حبل السجن بيلف حوالين رقبتها في قضية السرقة والتهجم، فجرت مفاجأة مكنتش خطرا على بال حد.. قدمت للنيابة إيصالات أمانة وعقود ومستندات تثبت إن سيف مخدش منها فلوس عشان يجهز الشقة زي ما كان بيتدعي!" قطعت كلامه بذهول: "يعني إيه يا أستاذ؟ أمال الفلوس الكتير والدهب والشاشات والأجهزة اللي كان سيف بيشتريها ويجهز بيها شقته اللي تحت دي جت منين؟" المحامي ابتسم نص ابتسامة مليانة مرار وقال: "هنا بقى السر اللي يوجع ويفرح في نفس الوقت. فريدة اعترفت إن سيف من سنة كاملة، يعني من قبل وفاة أخوه المرحوم أحمد بكام شهر، كان حاطط إيده على حساب بنكي وتجارة تخص أحمد الله يرحمه في بورسعيد.. أحمد كان مأمن سيف على توكيل عام لإدارة الشغل هناك ومحدش منكم كان يعرف عنه حاجة. سيف بعد وفاة أحمد، بدل ما يتقي الله في الفلوس دي ويسلمها لورثة أخوه، جمد الحساب ونقل الأصول باسمه، والفلوس اللي كان بيجهز بيها الشقة دي كانت شقا عمر جوزك يا مدام هناء! كانت حق ولادك الأيتام!" حماتي لطمت على صدرها وصرخت بدموع حارقة: "يا مصيبتي السودا في ابني! سرق مال أخوه وهو في قاع قبره؟ سرق اليتامى وعامل فيها صاحب مال وعز؟" أنا حسيت إن دموعي بتنزل لوحدها، بس المرة دي مكنتش دموع قهر، كانت دموع دهشة من عدالة ربنا سبحانه وتعالى. ربنا مبيسبش، وعمى قلب سيف وجشعه هما اللي قادوه لحد باب شقتي عشان يتفضح، وتطلع سرقته القديمة اللي مكنش حد هيعرفها أبداً لولا المحضر والتحقيق! المحامي كمل وهو بيسلمني الملف: "النيابة تحفظت على كل أملاك سيف، والحسابات دي كلها هترجع بالمليم ليكي ولولادك بحكم القانون وبقوة مستندات بورسعيد اللي فريدة أرشدت عنها عشان تنتقم منه. ده غير إن عقد فريدة المزور اللي كانت بتهددكم بيه اتفرم في النيابة وبقى حبر على ورق، وهما الاتنين دلوقتي لابسين قضية سرقة بالإكراه، وشروع في سرقة مستندات، وتزوير، وتبديد أموال قصر.. يعني حكم بالسجن المشدد مش هيقل عن 5 لـ 7 سنين." مرت الشهور بسرعة، وكأنها بتغسل كل الوجع اللي عيشناه. المحكمة أصدرت حكمها العادل بسجن سيف وفريدة، وبقت شقتهم اللي تحت تحت الحراسة لحد ما تتضم رسمي لأملاك ولادي. سيف نال جزاء جشعه، وضيع سمعته وشرفه، ولبس البدلة الزرقا عشان يعرف إن مال اليتيم بياكل صاحبه. فريدة رجعت للمكان اللي تستاهله ورا القضبان، بعد ما افتكرت إن بفلوسها وبجاحتها تقدر تشتري بيوت الناس وتطرد أصحابها. أما في بيتنا.. فالهدوء والسكينة رجعوا من تاني، بس المرة دي كان هدوء حقيقي مليان بركة. في يوم العصر، كنت قاعدة في البلكونة الكبيرة، الشمس كانت دافية، وصوت ضحك ولادي "أحمد الصغير" وأخته مالي الصالة جوه وهما بيلعبوا حوالين جدتهم. حماتي اللي اتغيرت حالها 180 درجة، وبقت متفارقش شقتي، وبتعوض الولاد عن كل لحظة قسوة شفوها. دخلت عليا البلكونة وهي شايلة صينية الشاي، حطتها وبصتلي وابتسمت ابتسامة صافية وقالت: "عارفة يا هناء يا بنتي.. البيت ده طول عمره كان عالي بحسه، بس النهاردة حاسة إن جدرانه منورة، لإن الباطل اتمحى منه، والأساس اللي بناه أحمد الله يرحمه رجع لأصحابه." مسكت إيدها وقولت لها برضا: "الحمد لله يا حمايا.. الضربة اللي متموتش بتقوي، وإيد الهون اللي دافعت بيها عن بيتي، علمتني إن الست لما تملك الحق، متهابش لا جن ولا شيطان. ربنا سترها معانا لإننا منويناش الأذى لحد، وكل واحد في الآخر حصد اللي زرعه." بصيت للسماء وأنا بـتنفس براحة وبقول في سري: "نام ارتاح يا أحمد.. ولادك بقوا في أمان، وبيتهم هيفضل مفتوح ومرفوع الراس.. لآخر العمر." تمت بحمد الله.