انهت عملها فى الأرض3

**الجزء الخامس: النيران الصامتة**
مرّ شهران كاملان على وجود نهله في القرية. لم تكن الأيام وردية، بل كانت عبارة عن حرب أعصاب يومية؛ تبدأ مع خيوط الفجر الأولى ولا تنتهي إلا مع مغيب الشمس. استطاعت نهله بذكائها وخبرتها السابقة أن تكسب ثقة معظم الفلاحين، وبدأت الأرض المستصلحة حديثًا تزدهر تحت إشرافها، مما زاد من اشتعال النيران في السرايا.
كانت والدتها تتابعها بقلق وفخر في آن واحد: “يا بنتي، أعمامك سكوتهم ده مش مريحني، دول زي الهدوء اللي قبل العاصفة.”
نهله (وهي ترتشف الشاي بتعب): “عارفة يا أمي.. طارق ابن عمي بيحاول يلمحلي كل شوية إن فيه حاجة بتتدبر، بس أنا عيني وسط راسي، والأرض دي مش هسيبها تضيع.”
## اللمسات الخفية
في غسق الليل، وتحديدًا في الساعة الثانية صباحًا، كانت الحركة شبه معدومة في طرقات القرية. تسلل شخصان عبر المصارف المائية المحيطة بأرض نهله، كان أحدهما يحمل زجاجات بلاستيكية ضخمة تحتوي على مواد كيميائية حارقة (مبيدات بتركيز مميت غير مصرح به)، والآخر لم يكن سوى المعلم رجب تنفيذًا لأوامر العم مدحت.
* **رجب (بهمس حاد للرجل المساعد):** “أخلص يا مسعد.. فضي الخزان ده في مجرى المية الرئيسي اللي رايح لأرضها، الصبح لما المكنة تشتغل ترفع المية المسمومة، والزرع هيموت واقف في تلات أيام، ومحدش هيعرف السبب.”
* **مسعد (بخوف):** “يا معلم رجب، دي أرض حرام نئذيها، والزرع ده ملوش ذنب.”
* **رجب (بحدة):** “انجز وإنت ساكت.. الأوامر جاية من السرايا الكبيرة، والقرش اللي هتاخده هأكل عيالك سنة.”
أنهيا المهمة القذرة وتسللا عائدين من حيث أتيا، تاركين سمًا بطيئًا ينتظر شروق الشمس ليدمر شقاء شهرين من العمل.
## عين لا تنام
في الصباح الباكر، نزلت نهله إلى الأرض بهمة عالية، وكان اليوم هو موعد “رية المحاياة” للقطن، وهي رية دقيقة جدًا يتوقف عليها نجاح المحصول. التقت بعم عبد الله، الفلاح العجوز الذي أصبح ذراعها الأيمن.
* **نهله:** “صباح الخير يا عم عبد الله، جاهز لدوارة المكنة؟”
* **عم عبد الله:** “جاهز يا بنتي، بس غريبة.. وأنا جاي لقيت مجرى المية فيه رغوة بيضا غريبة، وريحتها نفاذة زي الكيماوي القديم.”
وقفت نهله فجأة، وانقبض قلبها. تحركت مسرعة نحو المجرى المائي، انحنت ولمست المياه بطرف أصابعها ثم شمتها. تجمدت الدماء في عروقها؛ إنها رائحة “مبيد حشري محظور” بتركيزات عالية، لو دخلت الأرض لقضت على المحصول وجعلت التربة بورًا لسنوات.

