يوم فرحي، أخت جوزي 4

لمحت أثر الكاوتش الأسود المطبوع على الأسفلت، وريحة شياط الموتور لسه مالت الهوا. نورا كانت واقفة جنبي، إيدها بتترعش والورقة بتتهز بين صوابعها كأنها ماسكة قنبلة. بصيت للورقة اللي مكتوب فيها تهديد الرصاصة، ومفيش أي ملمح في وشي اتهز. الخوف ده شعور رفاهية، وأنا في سوق المحاماة بقالي سنين وعارفة إن الحيتان لما بتجيب آخرها… بتعَض.
قلت لنورا بصوت هادي ومستقر: “هاتي الورقة دي يا نورا، وحطيها في حرز بلاستيك. دي هتنضم لملف القضية الكبيرة (رقم 412 أموال عامة).. الحيتان بدأوا يرفسوا، وده معناه إن النفس خلاص بيقطع عندهم.”
نورا بلعت ريقها وبصت لي بذهول: “يا فندم دول بيمهدوا لقتل! دول مش زي شريف وحازم، دول ناس بتخفي البني آدمين من على وش الأرض في ثانية!”
ابتسمت وأنا بركب العربية: “اللي بيهدد بالقتل يا نورا مبيبعتش جوابات تحذير.. اللي عايز يقتل بيقتل عل طول. الجواب ده معناه إنهم مرعوبين من المستندات اللي معايا في الخزنة، وفاكرين إن المحامية الست هتخاف وتجري وتستخبى تحت السرير.”
## خطة الحوت الأكبر
طول الطريق للمكتب، كنت بربط الخيوط في دماغي. “مجموعة الهواري والشركاء لإعادة الإعمار”، دي الشركة الواجهة اللي حيتان العقارات كانوا بيغسلوا فيها فلوسهم. شريف وحازم مكنوش غير مجرد “أدوات مسح” بينظفوا وراهم، ولما أنا حبست الأدوات دي، الحيتان بقوا مكشوفين قدام النيابة.
وصلت المكتب، وطلبت من الأمن الخاص تشديد الحراسة على المبنى وعلى بيت أمي. دخلت أوضة الخزنة السرية ورا لوحة المكتب، وطلعت الملف الأصلي اللي فيه “الميزانيات الموازية” للشركة. دي الحقيقة العارية اللي لو اتسُلمت بكره في جلسة المحكمة… الإمبراطورية دي كلها هتبتلعها الأرض.
تليفوني رن برقم خاص (Private Number).
فتحت السبيكر ونورا واقفة جمبي.
جالي صوت رخيم، هادي جداً، وصاحبه بيتكلم بثقة تقرف: “الأستاذة إيمان؟ بتمنى تكون الرسالة وصلت، وتكوني استوعبتي إن اللعب مع عيلة ‘الفيومي’ مش زي اللعب مع عيلتك القديمة الفاشلة. احنا بنشتري النفوس وبنبيعها، وقادرين نشتري حريتنا.. فبلاش تشتري موتك.”
رديت عليه بنفس الهدوء، بل وأبرد: “أهلاً يا باشا. صوتك مألوف جداً، تقريباً سمعته في تسريب صوتي يخص عمولات أراضي حزام القاهرة. أحب أقول لك إن الورقة بتاعتك وصلت، وهتتقدم بكره في الجلسة كمستند رسمي لإثبات محاولة التأثير على سير العدالة وتهديد الشهود والمحامين. أما بخصوص إني أشتري موتي.. فأنا محامية، ومبعرفش أشتري غير الأصول والمستندات اللي بتودي اللي زيك ورا الشمس.”
