طلاق بنتى زهره الربيع 2

ندى اترمت وبكت بكا يقطع الحجر، وقالت كلام نزل على نفوخي زي مية النار:
“شريف غلبان يا أمي.. شريف مهندس لسه بيبدأ حياته، طالع عينه في الأقساط والديون عشان يسترنا ويوفر لنا لقمة العيش. شريف بيعشق حاجة اسمها أطفال، وكان دايماً حلمه يبقى عنده عزوة وأولاد كتير وبنات شبهي.. لما عرفت حقيقة مرضي، الدنيا اسودت في وشي. الدكتور قالي العلاج هيتكلف مئات الآلاف، وشريف لو عرف، كان هيبيع هدومه ويستلف ويتذلل لطوب الأرض ويقعد مديون طول عمره عشان يعالجني، وفي الآخر؟ ممكن أموت وأسيبه على الحديدة، مأكلش ولا شرب، وكمان محروق قلبه عليا ومحروم من حلمه في الخلفة والعزوة!”
​كملت وهي بتشهق من كتر الوجع: “أنا قولت أموت لوحدي يا أمي.. أموت وأنا بعيدة عنه. لو قولتله إني عيانة، كرامته ورجولته وحبه مكنوش هيسمحوا له يتخلى عني، كان هيضيع نفسه عشاني. أنا فديته بكرامتي وبحبي.. فضلت إنه

يكرهني، ويشوفني ست مفترية وخايبة ومبتصونش العشرة، عشان يطلقني وهو راسه مرفوعة، ويكرهني فينساها بسرعة، ويروح يتجوز واحدة تانية سليمة تديه الأطفال اللي بيحلم بيهم وتبني معاه حياته من غير ديون ولا مستشفيات.. أنا كسرته قدام أهله عشان يقسى قلبه عليا وميفكرش يرجعلي تاني أبدًا!”
​في اللحظة دي، حسيت إن جبل ندم هبط على صدري. افتكرت كل كلمة سميتها بيها.. افتكرت لما كنت بقولها “يا خايبة يا اللي قعدتي في قرابيزي”، وافتكرت لما كنت بسيبها تمسح وتطبخ وتغسل وهي ضهرها مكسور من المرض والتعب، ومبتشتكيش.. كانت بتعمل كل ده عشان تراضيني وعشان حاسة إنها بقت عبء عليا.. وهي في الأصل ملاك، بتضحي بسعادتها وعمرها عشان الراجل اللي بتحبه يعيش مرتاح!
​صوتي راح.. مكنتش قادرة أنطق ولا كلمة. أخدتها في حضني وفضلت أصرخ بصوت مكتوم، وأبوس راسها وإيدها ورجلها، وأقولها: “سامحيني يا بنتي.. أنا أم جاهلة، أنا أم قاسية.. الشيطان عَمى عيني وخلاني أظلمك وأنا اللي كان المفروض أكون حمايتك وسندك.. يارتني كنت أنا يا ندى، يارتني كنت أنا اللي عيانة وإنتي لاء!”
​ندى طبطبت عليا بإيدها الضعيفة وقالتلي: “أنا مسمحاكي يا أمي.. إنتي مكنتيش تعرفي، وأنا اللي قسيت عليكي وعلى الكل عشان السر ده ميتفضحش.. بس أمانة عليكي يا أمي، شريف ميعرفش حاجة، سيبيه يعيش حياته ويشوف مستقبله.”
​يومها منمتش.. ليلتها فضلت قاعدة على سجادة الصلاة لحد الفجر، بعيط وبستغفر ربنا، وبدعيه يسامحني على قسوتي ويشفيلي بنتي وحتة من قلبي.
​تاني يوم الصبح، مكدبتش خبر. قولت لنفسي الكرامة والحسابات البشرية دي تترمي تحت الرجلين لما الموضوع يوصل لحياة بنتي وسعادتها. ندى مش هتموت بالمرض وبالقهر في نفس الوقت. أخدت التقرير الطبي في إيدي، ومن ورا ندى، نزلت ورحت لبيت شريف.
​خبطت على الباب، فتحلي وهو وشة شاحب وحزين، باين عليه الهم من يوم الطلاق. أول ما شافني، اتمسح من على وشه أي تعبير ورحب بيا بأدب ممزوج بمرارة: “أهلاً يا أمي.. اتفضلي، عاش من شافك.”
​دخلت الصالون، وقعدت، وهو قعد قصادي ساكت. طلعت التقرير الطبي وحطيته على الترابيزة اللي بيننا، وقولتله وصوتي بيرعش: “أنا جاية أديك سبب الطلاق يا شريف.. جاية أوريك ندى اللي إنت افتكرتها باعتك وكسرت كرامتك، عملت فيك وفنفسها إيه.”
​شريف مسك الورقة، وبدأ يقرا.. شوفت عينيه وهي بتتحول من الدهشة للصدمة، ومن الصدمة للرعب. إيديه بدأت تترعش والورقة تتهز في إيده، وبصلي وعينيه مليانة دموع وقالي: “ندى؟! ندى عندها الكانسر؟! ومن إمتى يا أمي؟!”
​حكيتله كل حاجة.. حكيتله عن ليلة جيتها في عز البرد، وعن التسجيل الصوتي، وعن تضحيتها عشان ميتدمرش مادياً وعشان يتجوز ويخلف، وحكيتله عن قسوتي عليها وهي شايلة شيل يهد جبال ومبتنطقش عشان السر ميتكشفش وتخرب خطتها في حمايته.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!