بنت الناس حكايات امانى السيد 2

بدأ يرجع لأسلوبه القديم بالتدريج؛ يدخل البيت يرمي الحاجه، يتلكك على شكل الأكل، يزعق للواد الصغير من غير سبب، وعينه دايماً على مريم، مستني منها غلطة، أو لفتة ضعف عشان يرجع يكسر عينها تاني ويعوض الكسرة اللي عاشها.
وفي ليلة، طاهر دخل البيت لقى مريم قاعدة بتأكل الواد.
حدف الجلابية بتاعته في الأرض وزعق: “إيه القرف ده؟ أنت مش شايفة الهدوم وسخة؟ ولا خلاص شفتي نفسك علينا بعد قعدة الدوار؟”
مريم حطت معلقة الأكل من إيدها بالراحة. بصت له بمنتهى الثبات، ومقامتش تجري تجيب الهدوم زي زمان، ولا بكت.
قامت وقفت، ومشت لحد ما بقت قدامه، وبصت في عينيه مباشرة وقالت: “طاهر.. أنت لسه متعلمتش الدرس؟”
هو رجع خطوة لورا من غير ما يحس، وصوته هدي سنة: “درس إيه وزفت إيه؟ أنا الراجل هنا، واللي أقوله يمشى.”
مريم ابتسمت نفس الابتسامة الباردة وقالت: “الراجل اللي كان هيموت من الخوف من دفتر فاضي؟ طاهر.. أنا لما رجعت معاك، رجعت عشان ابني وعشان أبويا، ورجعت وأنا عارفة إنك مش هتنظف من يوم وليلة. أنت فاكر إنك لو رجعت تزعق وتفتري تاني، الناس هتصدقك؟ أنت نسيت إنك روحت للدوار وقدام أهلك كلهم قولت إنك كنت بتتبلى عليا؟ وروحت لأبويا وبست راسه وقولت إنك كنت كداب؟”
قربت منه خطوة كمان، وكملت بصوت واطي ومسموع: “الناس دلوقتي لو سمعتك بتشكي مني تاني، مش هيقولوا مريم مهملة.. هيقولوا طاهر علوان اتجنن، يوم يقول مراتي شريفة ويوم يقول حرامية. أنت بايدك حطيت نفسك في خانة الكداب قدام البلد كلها.. يعني أي كلمة هتقولها عليا بعد كده، هترد في وشك أنت.”
طاهر حس كأن حد ضربه قلم فّوقه على الحقيقة المريرة.
مريم لوت دراعه بالحق وبشهادته هو على نفسه! هو اللي حرق كروته كلها بإيده لما اعترف قدام الناس، وبقى أسير للـ “الصورة” الجديدة اللي رسمها بنفسه عشان يداري على فضيحته.
مريم وطت، شالت الجلابية من الأرض، حطتها في إيده بمنتهى الأدب، وقالتله: “اغسل وشك يا أبو علي، وعينك متجأرش في البيت ده تاني.. عشان المركب تمشي، والناس تفضل شيفاك راجل.”
سابته ودخلت تكمل تآكيل ابنها، وطاهر فضل واقف في الصالة، باصص للجلابية اللي في إيده.. عرف ليلتها إن مريم مكسرتوش وبس، دي قفلت عليه القفص، ورمت المفتاح في البحر، ومبقاش قدامه غير إنه يعيش معاها بـ “الأصول”.. الأصول اللي عاش عمره كله يهرب منها.
