بنت الناس حكايات امانى السيد 2

طاهر بص في الأرض وقال بنبرة مكسورة حقيقية: “كنت غلطان.. وربنا يحاسبني على كل كلمة ظلم قولتها في حقها. مريم ست أصيلة، واستحملت طبعي وحمقي، والكل لازم يعرف إنها طاهرة وشريفة وضفرها برقبة أي حد يلقح عليها كلمة.”
الحاجة توحيدة وشها جاب ألوان، وبصت لمريم اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، ملامحها هادية، مفيش على وشها غير نظرة نصر باردة وصامتة.
بعدها بساعتين، كان طاهر ومريم في العربية راجعين على بيت أبوها.
طاهر كان سايق وإيديه بترتعش على الدريكسيون. بص لمريم وقال بصوت مخنوق: “أهو.. قولت قدام أهلي كلهم وكسرت كلمتي وكلمة أمي في الأرض.. ارتحتي عاد؟”
مريم مبصتلوش، كانت بتبص من الشباك على الغيطان اللي بتجري، وقالت ببرود: “ده نص الحق يا ابن علوان.. فاضل النص التاني.. أبويا.”
وصلوا بيت مرزوق. الراجل العجوز فتح الباب وهو مستغرب من جيتهم من غير ميعاد. طاهر دخل، والمكان كان ضيق، بس في عين طاهر ليلتها كان أضيق من خرم الإبرة.
أبو مريم قال بقلق: “خير يا ولدي؟ في حاجة تانية حصلت؟”
طاهر، وعينه في الأرض، قدم خطوتين، ومسك إيد الراجل العجوز وباسها، وبعدين وطى راسه وباس على رأسه قدام خيلان مريم اللي كانوا قاعدين بالصدفة.
طاهر قال بصوت مسموع: “سامحني يا عم مرزوق.. أنا جيت لحد بيتك أهو وبقولك بنتك ست الستات، وأنا اللي غلطت في حقها وشيطان ونعلته.. حقك عليا، ورقبتي سدادة لأي حاجة تطلبها.”
الراجل العجوز دمعت عينيه وبص لبنته وهو مش مصدق إن جوزها “الفرعون” منكسر بالمنظر ده.
لما رجعوا شقتهم بالليل، وقفلوا الباب.
طاهر رمى نفسه على الكنبة، حاسس إنه اتهد، هيبته قدام أهله راحت، وصورته قدام نسايبه اتهزت. بص لمريم وقال بمرارة: “أنا عملت كل اللي أنتي عايزاه.. ووطيت راسي قدام الصغير والكبير.. الورق والدفتر اللي معاكي فين بقا؟”
مريم مشيت بخطوات بطيئة لحد ما وقفت قدامه. فتحت شنطتها، وطلعت الدفتر القديم، وحدفته في حجره.
طاهر فتح الدفتر بلهفة.. وشه اتقلب، وعينيه برقت بصدمة وهو بيقلب في الصفحات.
الدفتر كان كله أبيض.. مفيش فيه ورقة واحدة مكتوبة! لا ورق قرض، ولا تزوير، ولا حسابات شريكه!
بص لها وهو مش قادربينطق، شفايفه بترتعش: “أنتي.. أنتي ممعاكيش حاجة؟ كنتي بتغفليني؟”
مريم ابتسمت، أول ابتسامة حقيقية من خمس سنين، وقالت بثقة خلت ركبه تسيب:
“أنا ممعاييش ورق يا طاهر.. بس معايا قلبك اللي كان بيموت من الخوف على قرشك وسمعتك ومحلك.. أنا عمري ما كنت حرامية ولا هكون، وعمري ما هفضح أبو ابني بره البيت. بس كان لازم أهد المعبد اللي أنت بنيته على كتافي بالكدب.. كان لازم أخليك تلم السم اللي بخيته في قلوب الناس بنفسك.”
