حكايات زهره الربيع 2

خرجت من بيت حماتي وأنا مش شايف قدامي، الدموع مغمية عيني، والكسرة هدت حيلي لدرجة إن خطوتي كانت أتقل من جبل. أمي كانت ماشية جنبي، صوت نفسها العالي مكنش عصبية زي الأول، كان بادئ يتحول لنبرة خوف وقلق مكنتش متعود أشوفهم في عينيها. طول الطريق في العربية وأنا سايق للمهندسين، مكنش فيه صوت غير صوت ضربات قلبي وصوت أمي وهي بتحاول تواسي نفسها وتواسيني بصوت مرعوش:

“جرى إيه يا طارق؟ مالك ساكت ليه يا ابني؟ فداك ميت ألف واحدة غيرها، البيوت مبتخربش على ستات، بكره نلاقيلك اللي تصونك وتصون أمك.. دي بت قوية ومبتسمعش الكلام، والقرشين اللي معاها عموها..”.

مكنتش برُد، كنت بفتكر نظرة منى الباردة، وبفتكر بنتي اللي ملحقتش أشبع من ريحتها. أول ما دخلنا الشارع بتاعنا في المهندسين، لقيت المشهد اللي كمل على الباقي من كرامتي.

عربيتين ربع نقل واقفين تحت البيت، والعمال نازلين طالعين شايلين خشب أوضة النوم، الصالون، والأجهزة.. جيراننا واقفين في البلكونات بيتفرجوا، وأم محمد اللي كانت بتبارك لأمي من كام يوم، واقفة ومربطة إيدها وبتتفرج بحسرة. المحضر واقف بالورق، ومعاه خال منى وكام راجل من قرايبها، بيستلموا كل حاجة بالمليم حسب قايمة المنقولات.

أمي أول ما شافت المنظر، صرخت ولمت الشارع:

“الحقوني! بيفضوا شقة ابني! بياخدوا شقا عمره يا ناس!”

خال منى ساب المحضر وقرب مننا، بصلنا وبص لأمي بوقار قاتل وقال:

“يا حاجة، إحنا مبناخدش شقا عمر حد.. إحنا بناخد حاجتنا وبس، وبالقانون وباحترام.. وبنتنا سابتلكوا الشقة الحيطة في الحيطة أهيه عشان تشبعوا بيها.. طارق مضى على الإبراء بإيده جوه، والموضوع انتهى بالمعروف.. بلاش لمت الناس دي عشان شكل ابنك المدير.”

المحضر خلص شغله في ظرف ساعتين، الشقة اتمسحت.. مابقاش فيها غير الحيطان، وشوية تراب، وصدى صوت ضحكنا أنا ومنى اللي كان مالي المكان من كام شهر. قعدت على الأرض في الصالة الفاضية، ساند ضهري على الحيطة، وحاطط راسي بين إيديا.

أمي دخلت ورايا، لفت في الأوض الفاضية، ودخلت الصالة قعدت جنبي على الأرض.. لأول مرة أشوف الحاجة فاطمة مكسورة، بكت بصوت واطي وقالت:

“أنا مكنتش فاكرة إنها هتوصل لكده يا طارق.. أنا كنت عايزة أربيها لك عشان تسمع كلامك.. أنا شقيت عليك يا ابني وعايزاك سيد الرجالة في بيتك.. مكنتش أعرف إنها هتاخدك مني وتخرب بيتك بالشكل ده.”

رفعت راسي وبصيت لأمي، وقلت بوجع عمري ما حسيته قبل كده:

“أنتِ مربتيهاليش يا أمي.. أنتِ هدتيني وهدتي بيتي.. أنا اللي جيت عليها عشان خاطرك، وأنا اللي كسرتها وهي تعبانة عشان مكبرش كلمتك.. الست ملهاش غير جوزها يحميها، ولما جوزها يتفرج عليها وهي بتضرب ويقولها ‘عدي الليلة’، يبقى ملوش لازمة في حياتها.. منى مخرجتش من البيت عشان قلم.. منى خرجت لما ملقتش راجل يدافع عنها.”

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!