مكالمة ابني ٢ حكايات زهرة

كان حازم.. وشه شاحب، وعينه حمرا من قلة النوم، وهدومه مبهدلة.
أول ما شافني، دخل الشقة من غير ما يستأذن وزعق: “أمي! إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ أنتِ لغيتي قسط الشقة؟ البنك حجز على مرتيبي كله! مش عارف أمشي أموري ولا عارف أدفع قرش واحد! أنتِ عايزة تخربي بيتي؟ عشان كلمتين قلتهم لك تضيعي مستقبلي؟”
​وقفت مكاني، ساندة إيدي على ضهر الكرسي، وبصيت له من فوق لتحت بنظرة خالية من أي لهفة أمومة.
وقلت له بهدوء وثبات: “وطي صوتك وأنت بتتكلم معايا يا حازم.. البيت ده بيت أبوك، والصوت العالي ملوش مكان هنا”.
حازم اتصدم من برودي،

صوته هدي شوية بس فيه كسرة: “يا أمي.. أنا ابنك، حتة منك.. تعملي فيا كده؟ عشان خاطر مراتي قالت كلمة؟ أنا كنت بصلح الموقف بينكم بس!”
​ضحكت ضحكة خفيفة، فيها وجع السنين كله: “بتصلح الموقف؟ لما تقولي ما تجيش بيتي تاني عشان مراتك تاخد راحتها بقميص النوم، يبقى بتصلح الموقف؟ لما تستخسر فيا أدخل عليك بلقمة نضيفة تعبت فيها ودبحاها بإيدي عشان أغذيك، وتقولي ريحة الزفر والتقلية بتخنقها، يبقى بتصلح؟”
نزلت نظارتي وبصيت في عينه مباشرة: “أنا مش زعلانة يا حازم.. أنا فوقت. الشقة الجديدة اللي أنت عايش فيها بالطول والعرض، وبتفرقع صوابعك للويتر في المطاعم الغالية عشان تدفع آلاف الجنيهات، الشقة دي أنا اللي كنت بدفع قسطها. 7500 جنيه كل شهر من لحمي الحي، من معاشي ومعاش أبوك الله يرحمه. كنت بوفره من لقمة بقي عشان أشوفك راجل مستور في بيتك.. لكن لما الراجل المستور ده ينسى مين اللي ستره، ويبخل على أمه بكلمة حلوة ويطردها بأسلوب شيك.. يبقى يشيل شيلته بنفسه”.
​حازم قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه: “أنا مكانش عندي فكرة إنك لسه بتدفعي.. كنت فاكر الموضوع خلص من زمان.. أنا أسف يا أمي، حقك عليا.. بس الحقي بيا، البنك هيحجز على الشقة لو المدفوعات كملت شهرين من غير سداد، ونهى لو عرفت إني مش حلتـي حاجة وأمي هي اللي كانت شيلانا، هتمشي وتسيبني.. دي لسه حامل!”
​لما قال جملة “نهى لو عرفت هتمشي وتسيبني”، حسيت بطعنة جديدة. هو مش خايف على زعلي، هو خايف على شكله قدام مراته، وخايف البيت اللي اتبنى على القش يقع.
قلت له بلهجة قاطعة زي السيف: “تغور الشقة، وتغور الست اللي تسيب جوزها في أزمته. الشقة شقتك، والست اختيارك، شيل بقى يا حازم. شيل كأب وراجل مسؤول، وريني هتحل مشاكلك إزاي من غير فيزا أمك”.
​”يعني إيه يا أمي؟ مش ه تساعديني؟” قالها وهو باصص لي بقلة حيلة.
شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!