من شهرين حكايات رومانى مكرم 3

حماتي وقعت على الأرض زي الج..ثة الهامدة، صوت صريخ كريم المكتوم لسه بيرن في وداني، والوقت بدأ يعد تنازلي.. ٢٤ ساعة بس بيفصلوا بين الحياة والموت، بين الحقيقة والضياع.

زقيت حماتي بركبتي وفقت نفسي من حالة الذهول. مكنش فيه وقت للضعف. دخلت المطبخ جبت كوباية مية ورشيتها على وشها لحد ما بدأت تفتح عينيها وتئن وهي بتقول: “كريم.. ابني هيموت يا ندى.. ابوس رجلك إلحقيه.”

بصيت لها بنظرة حاسمة وقولت بصوت واطي ومخيف: “قومي اقفي على رجلك.. كريم مش هيموت لو نفذتي اللي هقولك عليه بالحرف. عمي عادل مش عايز كريم، عمي عادل عايزني أنا وعايز ورث أبويا، وكريم بالنسبة له مجرد كارت ضغط.. لو نزلتي شارع أو طرقتي باب بوليس، ابنك هيروح فيها، فاهمة؟”

هزت راسها برعب وهي بتترعش واستسلمت تماماً لكلامي.

قفلت باب الشقة من جوه بالترباس، ودخلت أوضة المكتب بتاعة أبويا الله يرحمه. الأوضة دي كانت مقفولة من يوم وفاته، مكنتش قادرة أدخلها من كتر الوجع، بس دلوقتي مبقاش فيه خيار تاني. عمي قال إن أبويا كان مسنود ومأمن نفسه، وإن فيه سر في البيت ده.

بدأت أفتش في كل شبر.. المفرش، الكتب، الدرج السري للمكتب، مفيش أي حاجة غريبة، كلها أوراق صفقات قديمة وفواتير. الساعة بقت تلاتة العصر، والوقت بيجري من بين إيديكي يا ندى زي الرمل. قعدت على الكرسي بتاعه وحطيت راسي بين إيديا وبكيت.. “يارب دلني.. أبويا مستحيل يكون أكل حق حد.”

وأنا بنزل راسي، عيني جت على الأرضية.. الخشب الباركيه اللي تحت مكتب أبويا كان فيه لوح واحد لونه غامق سنة ومش مظبوط في مكانه زي الباقي، كأنه اتقلع واتحط تاني.

بسرعة قمت وجبت مفك حديد من المطبخ، وبدأت أحشر بوزه بين ألواح الباركيه وأرفع بكل قوتي. اللوح الخشب اتقلع في إيدي، وتحته كان فيه تجويف خرساني، وجواه علبة حديد مصدية مقفولة بقفل صغير.

قلبي كان بيدق زي الطبل.. كسرت القفل بالمفك وفتحت العلبة.

جواها كان فيه ملف أوراق اصفرت من الزمن، وفلاشة ميموري، وجواب مكتوب بخط إيد أبويا.. مكتوب عليه: *”إلى ابنتي الغالية ندى.. إذا قرأتِ هذا الخطاب، فاعلمي أنني بين يدي الله، وأن الماضي الذي هربت منه طوال حياتي قد عاد ليطالب بثمن لم أرتكبه.”*

فتحت الجواب وقريت السطور اللي نزلت على قلبي زي التلج الممزوج بالنار. أبويا كاتب:

*”يا ندى، عمك عادل مكنش شقيان في الغربة، عمك عادل هرب من مصر من ٢٠ سنة بعد ما زور توكيل باسم جدي وباع كل أملاك العيلة لحسابه، وهرب بالفلوس وسابني أنا وأمي في الشارع. الشقة دي والأرض اللي بعتها، أنا اشتريتهم بـ شقايا وعرقي من شغل المقاولات، والأوراق اللي مع عادل هي الأوراق المزورة اللي هرب بيها زمان. أنا مأمنك بالفلاشة دي.. عليها تسجيلات صوتية واعترافات مسجلة لـ عمك عادل وهو بيبتزني من برة مصر، وعليها كمان تقرير التزوير الجنائي اللي ثبت إن التوكيل اللي معاه مزور، وقض..ية قديمة محكوم فيها عليه غيابيًا بالسجن ١٠ سنين بتهمة التزوير والنصب، والقض..ية دي م سقطتش لأنها جناية وجُددت.”*

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!