حكايات اسما السيد 3

تحركتُ نحو الطبيب ونبضات قلبي تتسارع.. هل ماتت الحاجة زينب وأخذت معها بقية الحكاية؟ أم أن ما سيقوله الطبيب سيكشف مفاجأة طبية أو سرًا آخر يخص العائلة يقلب الطاولة على الجميع من جديد؟

 

نزع الطبيب كمامته الطبية ببطء، وبدت على وجهه علامات الإرهاق الشديد والتوجس. التفت حوله وجد أحمد وخالته يقتربون منه بلهفة، بينما وقفت أنا على بعد خطوتين أراقب المشهد بصمت وجفاء.

تنحنح الطبيب وقال بصوت منخفض:

— الحمد لله، قدرنا نسيطر على النزيف والجلطة بفضل التدخل السريع، والبطاقة الطبية غطت تكاليف الأدوية والميكروسكوب الجراحي فورًا.. المريضة حاليًا اتنقلت الرعاية المركزة، لكن…

انقبضت ملامح أحمد وقال بفزع:

— لكن إيه يا دكتور؟ أمي جرى لها إيه؟ هتفوق إمتى؟

نظر الطبيب إلى أحمد بنظرة غريبة، ثم قال:

— النزيف أثر على مراكز معينة في المخ.. الحاجة زينب فاقت لدقائق قبل ما ننقلها الرعاية، وللأسف اتعرضت لشلل نصفي كامل في الجانب الأيمن، وفقدت القدرة على النطق.. يعني الست مش هتقدر تتكلم تاني، وحركتها هتبقى منعدمة تمامًا ومحتاجة رعاية على مدار الساعة.

سقطت الكلمات على أحمد كالصاعقة. انهار تمامًا وجلس على مقاعد الممر يجهش بالبكاء، بينما بدأت خالته تصوت وتلطم على خديها قائلة: “يا حبيبتي يا زينب! عشتي بطولك وعرضك وتموتي عاجزة ما بتتكلميش!”.

أما أنا، فنظرت إلى سقف المستشفى وتنفست الصعداء. لم أشعر بالفرح، لكنني شعرت بعدالة السماء.. المرأة التي كانت قبل ساعات تصرخ وتتحكم وتضرب بنتي وتصفها بأنها “عبء”، باتت الآن عاجزة لا تملك حتى القدرة على الدفاع عن نفسها أو نطق كلمة واحدة. لسانها السليط الذي آذاني طوال أربع سنوات، لجمته القدرة الإلهية في لمح البصر.

التفتُّ ببطء ونظرت إلى محمود. كان الطفل واقفًا في زاوية الممر، ينظر إلى الجميع برعب.. لقد فقد عامر الذي ظنه أباه، والآن تفقد المرأة الوحيدة التي كانت تحميه وتفضله على الجميع عقلها وحركتها. بدا ضئيلاً، وحيدًا، ومنكسرًا.

اقتربتُ من أحمد، وضعت يدي في جيبي وأخرجت عقود الأرض التي أخذتها من عمه عبد الجليل في البلد، ورميتها في حجره وهو يبكي.

نظر إليها بذهول من بين دموعه، فقلت له بنبرة صارمة:

— دي عقود أرض أخوك عامر اللي عمك عبد الجليل كان واكل ريعها ومفهِّم أمك إنها متباعة.. عمك كان بيستغفلكم، وبيخليني أصرف على محمود من شقايا عشان يفضل يسرق أرض أخوك في البلد ومحدش يدور وراها. الأرض دي من بكرة هتوكل محامي يرجعها باسمك، وريعها السنين اللي فاتت عمك هيرده غصب عنه وإلا السجن مستنيه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!