حكايات اسما السيد 3

قام أحمد بسرعة، قبل يدي وعيناه تملأها دموع الامتنان، وركض نحو سيارته لينطلق بأقصى سرعة إلى القاهرة. أما أنا، فلم أركب معه. فضلت البقاء في البلد؛ فالمعركة هنا لم تنتهِ بعد، وهناك خيوط في هذا الدوار يجب أن أقطعها بنفسي.

التفتُّ إلى الحاج عبد الجليل، الذي كان يظن أن العاصفة قد مرت برحيل أحمد، وقلت له بهدوء مرعب:

— ودلوقتي يا حاج.. إحنا لوحدنا. قولي بقى.. أوراق ورث عامر الله يرحمه فين؟ وليه كنت حريص إن محمود يفضل عايش معايا أنا بالذات في القاهرة وميروحش يعيش مع أمه في بلدها؟

ارتبك الحاج عبد الجليل، وحاول التهرب قائلاً:

— يا بنتي ما خلاص.. الموضوع انقفل والست بتموت..

قاطعته بقوة:

— ما انقفلش! عامر لما مات، ساب شقة الإسكندرية وأرض هنا في البلد.. أنت أقنعت أحمد وأمه إن الأرض متباعة عشان سداد ديون عامر.. لكن طالما عامر زور كل حاجة، وطالما أنت كنت شريكه.. الأرض دي متباعتش.. صح؟ والأموال اللي كنت بطلبها مني كل شهر عشان دروس ومصاريف محمود، أنت كنت بتاخد نصها وتوهم أم أحمد إنها بتتصرف على الولد.. عشان تفضل حماتي متمسكة بالولد وتضغط عليا.. أنت استخدمت طفل ملوش ذنب عشان تمص دمي ودم جوزي ماديًا!

أمام إصراري وتهديدي المباشر باللجوء إلى النيابة العامة وفتح دفاتر الورث القديمة، انهار الرجل تمامًا وأخرج من خزنته الحديدية بالدوار أوراقًا أخرى لم يكن أحمد يعلم عنها شيئًا. كانت عقودًا تثبت أن أرض عامر لا تزال باسمه، وأن الحاج عبد الجليل كان يجمع ريعها لنفسه طوال السنوات الماضية، مستغلاً جهل حماتي بالمسائل القانونية وثقتها العمياء فيه ككبير للعيلة.

أخذت العقود الأصلية ووضعتها في حقيبتي، وقلت له:

— الأرض دي حق بنتي ليان.. وحق أحمد.. والفلوس اللي اتسرقت مني هترجع تالت ومتلت.. وإلا مكانك الجاي هيبقى ورا القضبان بتهمة التزوير وأكل أموال القصر واليتامى.

تركت الدوار يغلي وراء المحافظة، واستأقلت سيارة أوجر متجهة إلى القاهرة. كان عقلي مشتتًا بين انتصاري في كشف المؤامرة المادية، وبين القلق مما يحدث في المستشفى.

وصلت إلى القاهرة في ساعة متأخرة من الليل، وتوجهت مباشرة إلى مستشفى أم المصريين. في الممر الطويل أمام غرفة العمليات، كان أحمد يجلس على الأرض مذهولاً، وبجانبه خالته ومحمود الصغير الذي كان يبكي بخوف وضياع بعد أن عرف أنه ليس فردًا من هذه العائلة.

عندما رآني أحمد، وقف ببطء واقترب مني.. كانت ملامحه تحمل مزيجًا من الصدمة والرعب، ولم ينطق بكلمة، بل أشار بيده نحو طبيب خرج للتو من غرفة العمليات ووجهه لا يبشر بالخير مطلقًا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!