حكايات اسما السيد 3

وقف أحمد وهو يرتعش، ونظر إلى العقود ثم إليّ وقال بنبرة مكسورة:

— سارة.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنتِ أنقذتي أمي رغم اللي عملته، ورجعتي حقي من عمي وأنا كنت مغمي عينيا.. أنا مكسوف أبص في وشك.

قلت له ببرود:

— ما تبصش في وشي يا أحمد.. الفلوس دي حق بنتي ليان اللي اتهانت، وحقي أنا اللي ضاع في البيت ده.. أمك دلوقتي محتاجة مصاريف رعاية وعلاج طبيعي، والأرض دي هي اللي هتحل أزمتها.. من هنا ورايح، مليم واحد من ذمتي المالية الخاصة مش هيدخل في مصاريف عيلتك.. شلتك شيلها بنفسك.

قطعت خالته بكاءها ونظرت إليّ بغل وقالت:

— وأنتِ هتسيبيه لوحده في الظروف دي يا سارة؟ دي أمك برضه، والبيت محتاج ست تخدم الست العاجزة دي لما تطلع!

نظرت إليها نظرة جعلتها تبتلع لسانها، وقلت:

— أنا مش جارية عند حد يا حاجة.. اللي ضربت بنتي وسيلت دمها، لقت عقابها من ربنا.. وأنا بيتي وشقتي مش هيدخلها حد آذاني.. أحمد يقدر يأجر لها شقة تانية قريبة ويجيب لها ممرضة ترعاها من فلوس أرضه اللي رجعتله.. لكن أنا وبنتي خط أحمر.

التفتُّ لأغادر المستشفى، فلحق بي أحمد وأمسك بطرف عباءتي باكيًا:

— سارة.. طب ومحمود؟ محمود ملوش ذنب في تزوير أخويا وعمي.. الولد ملوش حد دلوقتي.. أمه في البلد اتخلت عنه لعامر وزورت معاه، وأمي عاجزة.. هنعمل فيه إيه؟ هترميه في الشارع؟

نظرت إلى محمود الذي كانت عيناه معلقتين بوعي، ينتظر حكمي عليه.. هل أسامح الطفل الذي كان سببًا في ضرب ابنتي وصُنع من أجله كل هذا الجحيم؟ أم أن قلبي كأم لن يغفر له أبدًا؟

وقبل أن أنطق بكلمتي الأخيرة، تحرك محمود ببطء نحوي، وأمسك بيدي الصغيرة وقال بنبرة باكية هزت قلبي رغماً عني:

— طنط سارة.. أنا آسف.. أنا مكنتش أعرف إنهم بيكدبوا.. أنا بحب ليان والله، ومكنتش عايز تيتا تضربها.. متسبنيش للملجأ تاني يا طنط..

تسمرت في مكاني، وشعرت بحيرة تلتهم عقلي.. الصراع بين رغبتي في الانتقام وتطهير حياتي من هذه العائلة، وبين طفل بريء استُخدم كأداة في لعبة قذرة.. وفجأة، رن هاتفي مرة أخرى، وكان المتصل هذه المرة هو المحامي الخاص بي في القاهرة، ليخبرني بمفاجأة لم تكن على البال تخص شقة الإسكندرية التي تركها عامر!

 

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!