عروسة جديدة حكايات رومانى مكرم 4

خرجتُ من باب العمارة وجسدي يرتجف، لكن راسي كان في السماء. ركبتُ السيارة بجوار والدي وأخي أحمد، وانطلقت بنا السيارة في عتمة الليل، تاركةً خلفنا بيتاً تفحم بنار الفتنة والندم. طول الطريق، لم يتكلم والدي بكلمة واحدة، كان يمسك يدي بضغطات خفيفة ليطمئنني، بينما كان أحمد يضرب مقود السيارة بغيظ ويتحلف لحازم.
أما في الشقة، فكان الصمت الذي حل بعد خروجنا أشد وطأة من صوت الصراخ. انغلق باب غرفة سمر، وخرجت وهي تجر حقيبتها الممتلئة بملابسها، ودموعها تسيل بندم حقيقي بعدما انهار سقف حياتها فوق رأسها. نظرت إلى طارق وهي تنتحب: “يا طارق، عشان خاطر العشرة والعيال.. متعملش فيا كده وتفضحني قدام أهلي”.
نظر إليها طارق بنظرة باردة كالموت، وأشار بإصبعه نحو الباب الخارجي دون أن ينطق بكلمة واحدة. خطت سمر خطواتها الأخيرة خارج الشقة، تجر أذيال الخيبة والفضائح التي نسجتها بيدها، لتدفع ثمن طعنها في الأعراض طلاقاً بائناً وطردة مخزية.
بمجرد أن انغلق الباب وراء سمر، التفت طارق إلى أخيه حازم، الذي كان يجلس على ركبتيه في منتصف الصالة، واضعاً رأس بين يديه ويبكي بحرقة وصوت مسموع. اقترب منه طارق، ولم يواسيه، بل قال بنبرة جافة قاسية: “ابكي.. ابكي على خيبتك وعلى غبائك. خسرت مرتك الأصيلة اللي ردتلك القلم عشان تحمي كرامتها، وخسرت حماك الراجل المحترم اللي جالك لحد بيتك ولقنك درس في الأصول. أنا خارج من البيت ده يا حازم، ومش عايز أشوف وشك لحد ما تفوق لنفسك وتعرف أنت عملت إيه”.
خرج طارق هو الآخر، وبقي حازم وحيداً في الشقة الواسعة، يحيطه صدى صوت زوجته وهي تخطط لخراب بيته، وأثر كفي الذي علم على خده ليذكره في كل لحظة بأنه ظلم واستعجل.
وصلنا إلى بيت والدي، وبمجرد أن دخلت غرفتي القديمة، ارتميت على السرير وانفجرت في بكاء طويل غسل كل القهر الذي عششته تلك الليلة في قلبي. نمت من فرط الإرهاق، ولم أستيقظ إلا في تمام الساعة الثانية ظهراً على صوت جلبة وحركة غير عادية في صالة بيتنا.
ارتديت حجابي وخرجت بهدوء، لتتسع عيناي من المفاجأة..
كانت الصالة ممتلئة برجال عائلتنا، وعلى رأسهم أعمامي وكبار بلدتنا من أسيوط، وبالمقابل كان يجلس حازم وبجواره والده وعمه الأكبر، ورؤوسهم في الأرض من الخزي. التفت حازم ورآني، فانتفض من مكانه ودموعه سبقت كلامه أمام كل الرجال.
#الكاتب_رومانى_مكرم
وقف والدي من مكانه بجلال هيبته، وأشار بيد حاسمة إلى حازم لكي يجلس، وقال بصوت جهوري هز أركان الصالة: “اقعد يا حازم، الكلام هنا للرجال وكبار العائلات، وأنت في ليلة امبارح لغيت عقلك ومديت إيدك، فالكلام دلوقتي مع أبوك وعمك”.
