بابا حكايات امانى السيد 2

ياسين قرب من سعاد، وطى لمستواها وهو بيبص لها بنظرة كلها احترام وتقدير، وقال بنبرة هادية بس قوية:
ـ “امسحي دموعك يا ست الكل.. وحقك عليا أنا. البيت ده من اللحظة دي ملوش سيد غير ربنا، وأي حاجة تطلبيها هتكون عندك قبل ما تنطقيها.. اعتبريني ابني اللي ربنا بعتهولك في وقت الشدة.”
بص لأمل اللي كانت مش قادرة توقف عياط وقال لها:
ـ “خليكي مع ماما يا أمل، اقعدوا اتكلموا وفضفضي معاها براحتك، أنا هنزل مشوار نص ساعة وراجع.. مش هسيبكم كدة.”
ياسين نزل وهو جواه بركان. راح لأكبر سوبر ماركت، ملأ أكياس بجدعنة ولاد البلد؛ خضار، فاكهة، لحوم، وكل الطلبات اللي تخلي البيت “عمران” غصب عن عين اللي سابه. ومكتفاش بكدة، راح جاب غدا جاهز “مشويات” من اللي تشرح القلب، عشان يكسر ريحة الحزن والكمكمة اللي محمود عايرها بيها.

دخل ياسين الشقة وهو محمل بالخير، رص الحاجة في المطبخ بنفسه، وحط الأكل قدامهم على السفرة.
ياسين (بابتسامة تشجع):
ـ “يلا يا جــ,,ـماعة، مفيش لقمة هتدخل بوقي غير لما ست الكل تاكل وتتغذى. ومن هنا ورايح يا حمــ,,ـاتي، مفيش مليم هيدخل البيت ده غير من إيدي.. محمود بيه فاكر إنه لما يمنع عنك المصاريف هيلوي دراعك، ميعرفش إنك بقيتي مسؤولة من راجل بيعرف يعني إيه أصول.”
سعاد (بدموع):
ـ “يا ابني ربنا يبارك لك ويسترها معاك، بس أنا مش عايزة أبقى حمل عليكم وأنتم لسه في أول حياتكم..”
ياسين (قاطعها بجدية):
ـ “حمل إيه يا أمي؟ ده أنتي البركة اللي هتفتح لنا الأبواب المقفولة. كلي بس وانسي الدنيا، وأنا من بكرة هعرف ‘الأستاذ محمود’ إن سعاد هانم وراها رجالة، وإن العوض اللي ربنا بعتهولك حقيقي.”
مرت الشهور تقيلة وبطيئة على “سعاد”، كل يوم فيها كان بيعدي وهي بتحاول تلملم شتات نفسها. “محمود” كان لسه غرقان في حياته الجديدة، فاكر إن سعاد زمانها دلوقتي بتشحت القمة، ما يعرفش إن “ياسين” كان سادد مكانه وزيادة، وبمنتهى الرجولة والستر.
العدة خلصت، وفي يوم، “الحاج إسماعيل” (والد ياسين) كان قاعد مع ابنه، وبالصدفة وياسين بيتكلم، القصة اتعرفت
ياسين كان بيحكي لوالده عن جدعنة “سعاد” وازاي إنها ست أصيلة رغم كل اللي حصل لها، الحاج إسماعيل سمع الحكاية وقلبه وجعه، هو راجل أرمل وعارف يعني إيه وحدة، وعارف يعني إيه بيت ينطفي نوره بعد سنين شقى.
بعد كام يوم، الحاج إسماعيل طلب يقابل سعاد في وجود بنتها وجوزها. دخل البيت بهيبته ووقاره، وبعد كلام كتير في الأصول، بص لسعاد وقال كلمته:
الحاج إسماعيل (بهدوء وثبات):
ـ “يا ست سعاد.. أنتي ست الكل، والكل يشهد بأصلك. أنا راجل بقيت لوحدي زي ما أنتي شايفة، والوحدة مُرة مبيطقهاش بشر. أنا مش هقولك إني جاي أتجوز وخلاص، أنا جاي أطلب منك نكون لبعض (ونس) وسند في اللي باقي من العمر.”
سعاد (بصدمة وخجل):
ـ “يا حاج إسماعيل.. أنا مش في بالي الحاجات دي خالص، أنا قولت العمر خلص لحد هنا، وكفاية عليا فرحة بنتي.”
الحاج إسماعيل (بابتسامة حكيمة):
ـ “العمر لسه فيه كتير للي يعرف قيمته. أنا عايزك في بيتي معززة مكرمة، نراعي ربنا في بعض، ونكسر عين كل اللي افتكر إنك لوحدك. أنتي محتاجة ونس، وأنا محتاج اللي تملا عليا بيتي.. قولي يا رب يا سعاد، وخلينا نتمم الأمور في النور.”
سعاد بصت لأمل، لقت في عيون بنتها لمعة فرحة وإن أخيراً “حقها” هيرجع لها برأس مرفوعة. وبصت للحيطان الباهتة اللي محمود سابها فيها، وحست إن ده “العوض” اللي سجدت ودعت بيه.
ـ “اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا حاج.. أنا موافقة، طالما ده برضا بنتي وجوزها، وطالما هكون معاك في الستر والونس.”
يوم كتب الكتاب كان يوم “رد اعتبار” حقيقي لسعاد. الشقة اللي كانت مطفية ومبهوتة، نورت بالأنوار والضحكات الصافية. سعاد كانت قاعدة زي الملكة، لابسة فستان شيك وهادي، ووشها اللي كان دبلان رجعت فيه الروح من تاني.
وفي قمة الفرحة، الباب خبط بقوة.. دخل محمود وهو راسم على وشه الابتسامة الصفراء، فاكر إنه جاي “يمنّ” على بنته بزيارة لأول مرة من يوم فرحها، بس الصدمة شلت رجله لما شاف الحاج إسماعيل قاعد والمأذون فاتح الدفتر، وسعاد قاعدة جنبه برأس مرفوعة.
محمود (بزهول وصوت عالي):
ـ “إيه اللي بيحصل هنا ده؟ أنتي بتعملي إيه يا سعاد؟ ومين ده اللي قاعد جنبك وعايزة تتجوزيه؟ أنتي اتجننتي؟”
سعاد ماردتش، بصت له نظرة واحدة كلها استغناء، ونزلت عينيها في دفتر المأذون. لكن “ياسين” هو اللي قام ووقف زي السد المنيع قدام محمود.
ياسين (ببرود وثبات):
ـ “أهلاً يا أستاذ محمود.. نورت، بس يا ريت صوتك ميعلاش، إحنا في مجلس حلال، والحاج إسماعيل والدي بيكتب كتابه على الست سعاد بأصول الله.”
محمود (بيبرطم بهستيريا):
ـ “والدك؟ أنتم بتلعبوا بيا؟ عايزة تتجوزي حما بنتك يا سعاد؟ والله ما يحصل.. أنا هخرب البيت ده على دماغكم، وبنتي مش هتقعد في بيت جوزه أبوه متجوز أمها!”
هنا ياسين ضحك ضحكة سخــ,,ـرية هزت كيان محمود، وقرب منه وعايره بالحقيقة اللي كان مداريها:
ياسين (بصوت مسموع للكل):
ـ “تخرب بيت مين يا أستاذ محمود؟ البيت اللي أنت سبته ورفضت تحط فيه مليم؟ بنتك اللي كنت بتعيرها وتعاير أمها بفقرهم عشان تروح تجهز نفسك وتتجوز وتشتري بيت جديد؟ بنتك أهي، لسه بشنط جهازها اللي أنت ملمستهاش ولا ساعدت فيها بقرش.. أنا اللي جهزت، وأنا اللي صرفت، وأنا اللي شيلت حمــ,,ـاتي لما أنت رميتها.”
محمود (بغل):
ـ “أنا أبوها، وليا سلطة عليها وعلى أمها!”
ياسين (بحدة):
ـ “سلطتك انتهت يوم ما ورقة طلاق الست سعاد وصلت لها.. هي مش صغيرة، ولا هي على ذمتك، وموافققتها هي بس اللي تلزمنا. أما أمل، فهي مراتي وفي بيتي، والراجل اللي يشيل حمــ,,ـاتي فوق راسه هو والدي.. أنت ليك عندنا واجب الضيافة لو عرفت تحفظ الأدب، غير كدة الباب يفوت جمل، وبنتك مش هتطلق، لأنها متجوزة راجل بيعرف قيمة الست، مش واحد بيستعبدها ولما تعجز يرميها.”
محمود وقف يبص حواليه، شاف نظرة الاحتقار في عين بنته أمل، ونظرة الاستغناء في عين سعاد، وهيبة الحاج إسماعيل اللي متهزش. حس إنه صغير أوي، وإن “الكركوبة” اللي سابها، بقت غالية أوي بس في يد غيره.
مرّت الأيام، ودارت الدوائر لتثبت إن “إرادة ربنا” كانت شايلة لسعاد أكتر بكتير مما تمنت. في بيت الحاج إسماعيل، سعاد حست لأول مرة في حياتها إنها “ست الدار” مش خادمتها.
في صالة واسعة، هادية، وريحتها بخور وعود، كانت سعاد قاعدة بتشرب الشاي مع الحاج إسماعيل. الضحكة اللي كانت غايبة سنين رجعت نورت وشها، وعينيها اللي دبلت من القهر رجعت تلمع تاني.
الحاج إسماعيل (بابتسامة راضية):
ـ “تشربي الشاي يا سعاد ولا أعملك حاجة تانية؟ أنا مش عايزك تتحركي من مكانك، أنتي هنا عشان ترتاحي وتتأنسي، مش عشان تشيلي همّ المطبخ والخدمة.”
سعاد (بامتنان حقيقي):
ـ “ربنا يخليك ليا يا حاج.. أنا مكنتش أحلم بالراحة دي. الونس معاك ينسي الواحد أي وجع عاشه. فعلاً ربنا عوّضني بصبر السنين.”
إسماعيل (وهو بيطمنها):
ـ “أنتي اللي رزق بعتهولي ربنا يا أصيلة. راعيتي ربنا في بيتك القديم، فكان لازم ربنا يبعتلك اللي يراعي ربنا فيكي.”
على الجانب الآخر: “بيت محمود المظلــ,,ـم”
في الشقة “الجديدة” اللي كان محمود فاكر إنها جنته، كانت الأصوات عالية والخناقات مش بتهدى. مراته الجديدة، “نهى”، مكنتش زي سعاد؛ مكنتش بتسكت ولا بتمسح بكرامتها الأرض، كانت بطلباتها اللي مابتخلصش ولسانها اللي مبيعرفش “حاضر”.
نهى (بزعيق وهي بترمى الشنط على الأرض):
ـ “بقولك إيه يا محمود.. أنا مش سعاد تقعد تمشيني بكلمة وتهددني بالطلاق! أنا عايزة المصروف يزيد، وعايزة أخرج وأتفسح، والبيت ده يتفرش من أول وجديد على ذوقي، وإلا كل واحد يروح لحاله!”
محمود (بصوت مخنوق وتعبان):
ـ “يا بنتي ارحمي شوية! أنا صارف دم قلبي في البيت ده، وقولت هرتاح وأنا في السن ده.. أنتي ليه مابتسمعيش الكلام؟”
نهى (بضحكة سخــ,,ـرية):
ـ “أسمع الكلام؟ أنت فاكرني الخدامة اللي كانت عندك؟ أنا شابة وليا حقوقي، ولو مش قد الجواز والطلبات كنت فضلت جنب ‘القديمة’ بتاعتك اللي كانت شايلة قرفك وساكتة!”
محمود قعد على الكرسي وحط راسه بين إيديه، الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. افتكر “سعاد” اللي كانت بتكوي قميصه وتسهر على راحته وتوفر من ميزانية البيت عشان “يسند” نفسه. اكتشف إنه ساب “الجوهرة” عشان يشتري “سراب”، وإنه كان فاكر السيطرة بالفلوس والبيوت الجديدة، ونسي إن السيطرة الحقيقية كانت بـ “الحب والأصل” اللي ضيعهم بإيده.
بص للحيطان الجديدة اللي كان فاكر إنها “هتشرح القلب”، لقاها ضيقة وخانقة وريحتها نكد، وحس لأول مرة في حياته بمرارة الهزيمة.. الهزيمة اللي مفيهاش رجوع.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!