مراتي كانت متوفيه 3

لكن عمران لم يكن غبياً لينتظر الشرطة. كان يعرف أن سيد سقط، وأنني أصبحت العائق الوحيد بينه وبين إنهاء عائلة مارتا يعقوب.

عدت إلى الشقة السرية حيث تختبئ مريم وأمها. كانت الأجواء مشحونة بالترقب. الحاجة مارتا كانت نائمة بفعل الأدوية، أما مريم فكانت تقف خلف النافذة، تراقب الشارع بعيون لم تذق النوم منذ سنوات.

قربت منها، وضعت يدي على كتفها. التفتت إليّ وارتمت في حضني وهي تبكي بنشيج مرير:

— رامي.. أنا خايفة. خايفة أكون رجعت عشان أشوفك بتموت بسببي. لو كان موتي الحقيقي هيحميك، أنا مستعدة أمشي حالا.

رفعت وجهها بيدي، ونظرت في عينيها العسليتين وقلت لها بيقين:

— خمس سنين يا مريم.. خمس سنين وأنا ميت. النهاردة بس أنا شميت الهوا وعرفت إني عايش. مش هسيبك تاني، ومش ههرب. عمران ده مجرد كابوس قديم، والنهار لازم يطلع.

في تمام الساعة الثالثة فجراً، انقطع التيار الكهربائي عن العمارة بأكملها.

ساد ظلام دامس، وصمت مريب لم يقطعه سوى صوت قطرات مطر خفيفة بدأت تضرب زجاج النوافذ. المطر.. نفس الأجواء التي خطفت نور قبل خمس سنوات.

أخرجت سلاحي المرخص، وأنزلت الأمان. همست لمريم:

— ادخلي جوة تحت السرير مع أمك، واقفلوا الباب. متفتحيش إلا بصوتي.

تسللت ببطء نحو صالة الشقة. سمعت أصوات خطوات خفيفة على السلالم الخشبية للعمارة. ليس شخصاً واحداً.. كانوا ثلاثة أو أربعة.

فجأة، لم نسمع خبطاً على الباب، بل سمعنا صوت “حديدة” تحاول فتح القفل بمهارة. رجال عمران وصلوا، وكانوا يريدون إنهاء الأمر بصمت.

تراجعت خطوتين خلف حائط المطبخ المكشوف على الصالة، وجعلت جسدي في زاوية ميتة. انفتح الباب ببطء، ودخل ظل ضخم يحمل في يده سلاحاً كاتماً للصوت، ووراءه رجلان.

لم أنتظر أن يبادروا. وجهت سلاحي نحو الظل الأول وأطلقت رصاصتين استقرتا في صدره، فسقط أرضاً دون أن يصدر صوتاً قديماً سوى ارتطام جسده بالبلاط. الرجلان الآخران تراجعا للخلف وبدأوا بإطلاق النار بعشوائية نحو المطبخ، النوافذ تحطمت والطلقات كانت تأكل الخشب من حولي.

في غمرة الضرب، انفتح باب الشقة بالكامل، ودخل رجل يرتدي معطفاً طويلاً، لاهثاً، وفي يده طبنجة سوداء. كان هو.. عمران. وجهه الصعيدي الصارم، وعيونه المليئة بالغل.

صرخ بصوت جهوري:

— رامي! اخرج يا ولد نصحي.. خمس سنين وأنت بتدفع تمن حريمي وأنا صابر عليك، فاكرني مش عارف؟ اخرج بدل ما أحرق البيت بمن فيه!

كنت ملقى على الأرض خلف رخامة المطبخ، الرصاص نفد من خزنتي الأولى، وكنت أحاول تركيب الخزنة الثانية بيد ترتعش من الأدرينالين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!