مراتي كانت متوفيه 3

وقفت مكاني وكأن صاعقة ضربتني للمرة الألف في الليلة دي. الغضب اللي جوايا اتمزج بخوف ملوش أول من آخر. بصيت لمريم وهي منهارة على الكرسي، وجوايا بركان أسئلة مش ملاحق أستوعب إجابته.
— سجن؟ وابتزاز؟ أنتِ بتقولي إيه يا مريم؟ فهميني حالا ومن غير ما تخبي حرف واحد.. مين اللي بيبتزك؟ وتمن سكوت إيه اللي بتدفعيه من فلوسي؟!
مريم رفعت راسها، وشها كان شاحب وعيونها حمرا من البكا، اتلفتت حواليها بقلق كأن الحيطان ليها ودان، وقامت وقفت وقربت مني وصوتها بقى همس مرعوب:
— يوم الحادثة.. نور أختي مكنتش سايقة العربية لوحدها يا رامي. نور كانت هربانة.. هربانة من الصعيد من جوزها!
— جوزها؟
— أيوة.. نور كانت متجوزة في الصعيد من راجل قاسي ومجرم، تاجر سلاح وأراضي اسمه “عمران”. عمران ده كان بيعاملها زي العبدة، ولما عرفت إن لينا أم وأخت هنا في وجه بحري، هربت وجت استخبت عندنا. عمران مسبهاش.. قعد يدور عليها في كل مكان لحد ما عرف طريقها. ويوم الحادثة، عمران كان مطاردها بعربيته على الطريق الساحلي في المطر.. كان عايز يقلب عربيتها أو يجبرها تقف!
حطيت إيدي على بوقي بذهول ومريم كملت وهي بتترعش:
— العربية لما اتقلبت بسبب التريلا والمطر.. عمران مكنش يعرف إن نور اللي ماتت. هو كان فاكر إن “مريم” هي اللي كانت سايقة وماتت، لأن النعش اتدفن باسمي وأوراق المستشفى طلعت باسمي! لما أمي تعبت وعقلها تاه، وأنت جالك التعب في القاهرة، خالتك الله يرحمها (اللي ماتت من سنتين) قالتلي: “يا مريم، لو عمران عرف إنك لسه عايشة، وأنه قتل أختك بالخطأ، مش هيسيبك.. هيقتلك أنتِ كمان ويقتل أمك عشان يداري على جريمته، ورامي لو عرف الحقيقة هيدخل في مواجهة مع مجرمين وهيضيع فيها”.
سكتت مريم وأنفاسها بتطلع بصعوبة:
— وافقت.. وافقت أختفي وأموت في نظر الدنيا كلها عشان أحمي نفسي وأحميك وأحمي أمي. عشنا هنا في الشقة دي كأننا أموات. غيرت اسمي لـ “نور” قدام الجيران، وبقيت ألبس الطرحة والنضارة عشان محدش يشوف وشي ويشبه عليا.. لحد من سنة واحدة بس.
— إيه اللي حصل من سنة؟ — سألتها وأنا حاسس إن الخيوط بدأت تشتد حوالين رقبتي.
— من سنة.. في راجل ظهر هنا في المنطقة. راجل من رجال عمران القدام، اسمه “سيد”. سيد ده كان جاي يدور ورا أمي عشان يشوف لو ليها أي ممتلكات أو أراضي يسيطروا عليها. ولمحني بالصدفة وأنا خارجة من الصيدلية من غير النضارة.. عرفني فوراً! عرف إن مريم عايشة، وعرف اللعبة اللي عملناها في الجنازة والنعش المقفول.. وعرف إن اللي ماتت هي نور!

