حكايات منى السيد 2

## الفصل الثالث: اللعب مع الكبار
صوت ضرب النار اللي سمعته في التليفون فضل يرن في وداني زي الصفارة. الموبايل كان في إيدي سخن، والشاشة اسودت بعد ما الخط قطع، وأنا واقفة في وسط الصالة مش قادرة أتحرك، كأن رجلي غرزت في الأرض. النصر اللي كنت حاسة بيه من ساعتين تخرّع وداب في ثانية، وحل مكانه خوف ساقع، خوف ملوش ملامح.
أبويا خرج من أوضته على صوت نفَسي العالي، كان لابس نظارة القراءة وباصص لي بقلق:
— في إيه يا دينا؟ وشك هرب منه الدم ليه يا بنتي؟ مين اللي كان بيكلمك؟
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أجمع صوتي اللي كان رايح:
— مش.. مش عارفة يا بابا. واحد بيقول إنه شغال في مكتب محامي الحاج عبد الفتاح، كان بيتكلم وهو مرعوب، وقالي إن ورق “قنا” فيه اسم تالت أنا واخدتش بالي منه، وإن صاحب الاسم ده راجل واصل قوي وعرف إن الورق معايا وبيدور عليّ.. وفجأة سمعت صوت ضرب نار والخط قطع!
أبويا ملامحه اتقبضت، قلع النظارة وبص للدوسيه الأزرق اللي كان لسه محطوط على ترابيزة الصالة. قرب منه ببطء، وفتحه تاني وبدأ يقلب في الورق المصفر بتركيز، وأنا واقفة جنبه بفرك في إيدي، والسيناريوهات السودا كلها بتلف في دماغي.
— تعالى هنا يا دينا.. بصي في العقد ده كده.
أبويا شاور بأصبعه على خانة “الطرف الثالث الضامن” في عقد بيع الأرض القديم. الاسم كان مكتوب بخط إيد رقعة صغير ومبهدل وسط الأختام الكتيرة: *(منصور بك السيوفي)*.
أبويا سحب نفس طويل وقال بصوت واطي:
— ياه.. منصور السيوفي! إزاي الاسم ده تاه عن عيني وأنا براجع الورق معاكِ؟ منصور السيوفي ده دلوقتي مبقاش مجرد اسم في دفتر قديم يا دينا، الراجل ده دلوقتي صاحب شركات استثمار عقاري ضخمة، وله معارف وتقال في كل حتة، والظاهر إن أرض قنا دي كانت أول سلمة في ثروته اللي عملها.. وطبعاً لو الورق ده طلع، مش بس هيهد الحاج عبد الفتاح، ده هيفضح السيوفي ويجيب تاريخه الأرض.
في اللحظة دي، تليفوني رن تاني.. جسمي كله اتنفض. بصيت على الشاشة لقيت الرقم المرة دي ظاهر.. كان رقم “أحمد”.
رديت بسرعة وبدون مقدمات:
— ألو يا أحمد.. في إيه؟
جاني صوته من الناحية التانية وهو بيعيط بهستيريا، صوته كان بيرتعش لدرجة إني مكنتش فاهمة نص كلامه:
— دينا.. إلحقيني يا دينا.. بابا جاله جلطة ونقلوه المستشفى من ساعة، وفجأة لقينا ناس غريبة داخلة الشقة عندنا، قلبوا الدنيا ودوروا في كل حتة، وخدوا المحامي بتاع بابا من وسطنا وركبوه عربية ومشيوا.. هما بيدوروا على ورق الأرض يا دينا! أبوس إيدك، الورق ده فين؟ هما سألوا عليكي وعايزين يعرفوا مكانك!
— أحمد! اسمعني كويس.. إوعى تقول لحد مكاني، ولا تجيب سيرتي، فاهم؟
— مش هقول.. والله مش هقول، بس اتصرفي يا دينا، الناس دول مش بيهزروا، المحامي كان بيموت في إيديهم من الخوف..
قفلت السكة في وش أحمد قبل ما يكمل. بصيت لأبويا ولقيت القرار في عينه قبل عيني.
— لازم نمشي من هنا يا بابا، حالا. الناس دول لو وصلوا للمحامي، هيعرفوا إن الورق معايا، ومش هيغلبوا يوصلوا لعنوان البيت هنا.
أمي خرجت مذعورة من المطبخ بعد ما سمعت كلامنا، وبسرعة مفيهاش كلام، لمينا الأوراق المهمة في الشنطة، وأبويا أخد تليفونه ومفاتيح العربية، وخرجنا من الشقة بملابسنا اللي علينا. ونزلنا السلم جري، مأخدناش حتى الأسانسير من الخوف.
ركبنا عربيتي، وأبويا قالي:
— اطلعي على شقة “شبرا” القديمة يا دينا، الشقة دي مقفولة من يوم وفاة جدك، ومحدش يعرفها من قرايب أحمد ولا المحامي، هناك هنكون في أمان لحد ما نشوف هنعمل إيه.
طول الطريق من مصر الجديدة لشبرا، عيني كانت في المراية.. كل عربية سودا أو سريعة تعدي من جنبي كنت بحس إنها بتطاردني. أنا دينا عبد الحميد، اللي من يومين بس كنت بأدب عيلة جوزي وبدق الس*كينة في ترابيزتهم بكل شجاعة، بقيت دلوقتي هربانة في نص الليل وببص ورايا برعب.. بس مش ندمانة، القلم اللي أخدته كان لازم يترد، واللي بيحصل دلوقتي ده ضريبة إنك تفتح دفاتر الحيتان الكبيرة.
وصلنا شقة شبرا، الدنيا كانت ضلمة والتراب مالي المكان. شغلنا النور وقعدنا في الصالة القديمة، وأنا حاطة الدوسيه في حضني كأنه حبل النجاة الوحيد.
أبويا قعد على الكرسي وبصلي وقال بهدوء المدرس الحكيم:
— بصي يا بنتي.. إحنا دلوقتي قدام خيارين. يا إما نخاف ونستخبى ونستنى لحد ما يوصلوا لينا ووقتها هيرموا لنا قرشين وياخدوا الورق ويهددونا، يا إما نلعبها صح وبنفس طريقتك.. الهجوم هو أفضل وسائل الدفاع.
— هنعمل إيه يا بابا؟ منصور السيوفي ده يقدر يمحانا من الدنيا في ثانية.
— السيوفي يخاف من حاجة واحدة بس يا دينا.. “الشوشرة”. الراجل اللي زي ده، مركزه واسمه في السوق هما راس ماله، والفيديو اللي معاكِ لحمايا وهو بيضربك مش هيفيده في حاجة، لكن ورق التزوير بتاع أرض قنا لو اتسرب لجهات معينة برة دايرة معارفه، هيبقى حبل المشنقة حوالين رقبته.
فكرت في كلام أبويا.. شغلي كمديرة تسويق علمني إن العلاقات العامة والضغط الإعلامي يقدروا يهدوا أكبر شركات في العالم لو الاتجاه صح.
— عندك حق يا بابا.. أنا مش هقعد مستنية لما يجرجروني. أنا اللي هروح له.
— تروحي له فين يا دينا؟ ده جنون!
— هروح له في مكتبه يا بابا، بس مش لوحدي.. الورق ده هعمل منه خمس نسخ، نسخة هسيبها معاك هنا، ونسخة هتوصل لجريدة معارضة تقيلة، ونسخة تانية هتروح لإيميل شركة منصور السيوفي نفسه كـ “بروفا” قبل النشر.. والنسخة الأصلية هتفضل معايا وأنا داخله له. لو حصل لي أي حاجة، أو لو غبت عنك أكتر من ساعتين، الورق ده كله هينزل على السوشيال ميديا وفي الصحافة، والبلد كلها هتعرف الحكاية.
أبويا ابتسم وقال:
— هي دي بنتي.. اللي يمد إيده عليكي يدفع التمن، واللي يفكر يهددك يدفع عمره كله.
تاني يوم الصبح، كنت واقفة قدام برج ضخم في جاردن سيتي، البرج اللي فيه مقر شركات السيوفي للاستثمار. كنت لابسة بدلة شغل فورمال سودا، حاطة نظارتي الشمسية، ورافعة راسي بكل ثقة، رغم إن قلبي كان بيدق زي الطبلة.
دخلت الاستقبال، وطلبت مقابلة منصور بك السيوفي شخصياً. الموظفة بصت لي باستغراب:
— في ميعاد سابق يا فندم؟
— مفيش ميعاد.. بس قوليله “دينا عبد الحميد” ومعاها ورق “أرض قنا الجديدة” لعام ٢٠٠٤.. وهو هيسيب اللي في إيده ويقابلني.
الموظفة اتكلت في التليفون، ووشها اتقلب وهي بتسمع الرد، وبسرعة قالت لي:
— اتفضلي معايا يا فندم.. البك مستنيكي في مكتب الدور الـ ٢٠.
طلعت في الأسانسير وأنا باصة لشكلي في المراية، بصلح الروج وبثبت نفسي. الأسانسير فتح على مكتب ملكي، سجاد إيراني ولوحات زيتية وواجهة زجاجية كاشفة النيل كله. وفي آخر المكتب، كان قاعد راجل في أواخر الخمسينات، شعره شايب وصحته باين عليها العز، لابس بدلة غالية جداً وبيشرب سيجار.. منصور السيوفي.
أول ما دخلت، قفل اللاب توب بتاعه وبص لي بنظرة حادة زي الصقر:
— أهلاً يا مدام دينا.. كنت فاكرك هربانة مع أبوكي في شقة شبرا القديمة، بس فاجأتيني بشجاعتك وجيتي لحد عندي.
عرفت في اللحظة دي إن عيونه كانت مراقبانا، بس مبينتش خوفي، قربت وقعدت على الكرسي اللي قدامه بكل برود، وحطيت الشنطة على مكتبه.
— شقة شبرا دي كنا بنغير فيها جو بس يا سيوفي بك. إنما الشجاعة دي ورثاها عن أبويا، والظاهر إنك باعت رجالتك يكسروا مكتب المحامي ويهددوا عائلة الشاذلي وفاكر إن الكل بيخاف من الوش الخشب.
منصور بك مال بضهره لورا وضحك ضحكة مكتومة:
— الشاذلي ده راجل حمار، طول عمره مغفل.. افتكر إنه لما يعمل فيها كبير ويتشطر على عروسة في بيته إنه كده راجل، ولما جيتي ذلتيه بورق الأرض جالي يجرى ويعيط زي الحريم ويقول لي الحقني البنت معاها المستندات.. أنا ميهمنيش الشاذلي في حاجة، يغور في داهية، اللي يهمني هو الورق اللي معاكِ.. تمنه كام يا دينا؟ قولي الرقم اللي يعجبك، شيك بمليون؟ اتنين؟ خمسة؟ وتاخدي بعضك وتعيشي هانم وتنسي الحكاية دي خالص.
فتحت الشنطة وطلعت النسخة الأصلية من الدوسيه، وبصيت له بثبات:
— فلوسك مش هتلزمني يا سيوفي بك.. أنا فلوسي باخدها من شغلي وتعبي، ومش هبيع كرامتي ولا الخوف اللي عيشتوه لأمي وأبويا البارح بمليون ولا بعشرة.
ملامحه اتقلبت فوراً، والضحكة اختفت، وصوته بقى واطي ومرعب:
— يبقى إنتِ مش عارفة إنتِ واقفة قدام مين يا شاطرة.. أنا بكلمة واحدة أخفيكي من على وش الأرض إنتِ وعيلتك، والورق ده هاخده برضه.
وقفت وسندت بإيدي على مكتبه، وقربت منه وعيني في عينه:
— جرب تعملها كده.. وشوف إيه اللي هيحصل. قبل ما أدخل البرج ده بنص ساعة، إيميل شركتك استلم نسخة من العقود دي، ومعاها قايمة بأسماء تلات جرائد ومواقع إخبارية كبار.. النسخ دي مبرمجة على السيرفر بتاعي، لو أنا مخرجتش من باب البرج ده سليمة وواقفة على رجلي بعد ساعة من دلوقتي، أو لو غبت عن تليفون أبويا.. الورق ده كله هيبقى تريند رقم واحد في مصر، والنيابة العامة هيكون عندها بلاغ رسمي بالتزوير والاستيلاء على أملاك الدولة مدعوم بالمستندات الأصلية اللي متأمنة في مكان إنت عمرك ما هتوصل له.
منصور السيوفي فضل باصص لي والسيجار في إيده، ومستغرب من الجرأة اللي في عيني. لقى نفسه قدام بنت مش جاية تبتزه ولا خايفة من نفوذه، جاية تحمي نفسها وأهلها بذكاء.
سحب نفس طويل من السيجار وطلعه ببطء:
— دماغك سم يا دينا.. مديرة تسويق بجد، بتعرفي تلعبي بالكروت اللي في إيدك. طب وعايزة إيه؟ طالما الفلوس مش عايزاها، والتهديد منفعش معاكِ؟
— عايزة الأمان يا سيوفي بك.. الأمان وبس.
— يعني إيه؟
— يعني ورق الأرض ده هيفضل معايا، أمان ليا ولأهلي طول العمر. ورجالتك يبعدوا عننا تماماً، وتنسى عنوانا وتنسى إننا موجودين في الدنيا. وفي المقابل، أنا ماليش دعوة بيك ولا بشركاتك، ولا هسلم الورق ده لحد طول ما إنت ملتزم بحدودك معايا.. والراجل المغفل اللي اسمه الحاج عبد الفتاح، يكمل شروطي اللي اتفقت معاها عليها للاخر، والبيت اللي كتبه لماما محدش يقرب منه.
منصور السيوفي فضل ساكت لثواني، وبعدين طفى السيجار في الطفاية الكريستال وقام وقف، ومد إيده ليا:
— اتقابلنا كأعداء يا مدام دينا.. بس أنا بحترم الأذكياء. شروطك مقبولة، وعيلتك في أمان رقبتي أنا شخصياً.. بس الورق ده لو طلع برة، افتكري إن مفيش حد هيكون خسران قدك.
— طول ما أنا بأمان.. ورقك في أمان يا بك.
مسكت شنطتي وخرجت من المكتب، وكنت حاسة إن جبال انشالت من فوق كتافي. نزلت في الأسانسير وخرجت لباب البرج، الشمس كانت حامية وبتقيد في وشي، طلعت الموبايل وكلمت أبويا:
— إيوه يا بابا.. أنا خارجة من البرج دلوقتي، كله تمام.. اللعبة خلصت، وإحنا اللي كسبنا.
أبويا اتنفس براحة وصوته كان مليان فخر:
— حمد لله على سلامتك يا قلب أبوكي.. تعالي يلا عشان الشاي بيبرد.
ركبت عربيتي وسوقت وأنا ببص لوشي في المراية.. أثر القلم اللي حمايا ادهوني كان لسه معلم خفيف على شفايفي، بس الوجع اللي في قلبي كان خلاص اختفى. الجوازة اللي افتكرتها هتكسرني، طلعت منها أقوى بمية مرة. أنا دينا عبد الحميد، البنت اللي رفضت تكون خدامة أو ضحية لتقاليد مريضة، ودقت الس*كينة في الترابيزة.. عشان تنهي حكاية الظلم، وتبدأ حكايتها هي.. حكاية الست اللي مفيش راجل يقدر يكسر عينها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!