عيد الأم، حكايات رومانى مكرم 2

رفعت مريم يدها لتقاطعني بصوت مخنوق:
“طب وليه كدبت علينا؟ ليه سيبتنا نكرهها طول السنين دي ونفتكر إنها باعتنا عشان قرشين؟ وليه هي بره كانت عايشة في عز ولبس غالي وإحنا هنا مش لاقيين ناكل؟”
نظرت إلى مريم وقلت بحزن عميق:
“دي بقيت الحكاية يا مريم.. داليا لما سافرت وهربت، ربنا فتحها عليها واشتغلت في الخليج مع سيدة أعمال غنية، وبقت تبعت لي فلوس كل شهر.. مبالغ كبيرة جدًا.”
هنا وقف زياد فجأة واشتعل الغضب في عينيه:
“فلوس؟! فلوس إيه يا بابا؟! إحنا كنا بناكل عيش وجبنة قريش بالأسابيع! أنت كنت بتشتغل تلات شغلانات وبتنام ساعتين! لو كان في فلوس بتتبعت.. راحت فين؟! أنت كنت شايلها لنفسك ومجوعنا؟!”
“زياد! اقطع لسانك ولكم أبوك باحترام!” صرخت مريم في أخيها، لكن عينيها كانت تطالبني بالإجابة بنفس القوة.
نظرت لزياد وقلت بنبرة مكسورة:
“الفلوس دي كلها.. ما دخلش منها جنيه واحد جيبنا ولا بطننا. الفلوس دي كانت بتروح بالكامل للناس اللي كانت داليا مديونة لهم.. عشان أسدد تمن حمايتكم وتمن رقبتها. داليا كانت بتبعت الشيكات باسمي، وأنا كنت باخدها فورًا وأروح أدفعها لأصحاب الحقوق عشان يرفعوا إيدهم عننا.. السنين الأولى كلها ضاعت في سداد ديونها القديمة.. ولما الديون خلصت من سنتين بس، داليا طلبت ترجع.. بس أنا رفضت.”
تنفس الجميع الصعداء لثوانٍ، لكن السؤال الأكبر كان لا يزال معلقًا في الهواء.
“رفضت ليه يا بابا؟” سألت هناء بهدوء.
“رفضت لأن داليا لما الفلوس جريت في إيديها، نسيت الخوف القديم، واتجوزت راجل غني هناك.. وعاشت حياتها. الفلوس اللي كانت بتبعتها في الآخر ماكنتش عشان ديون.. كانت عشان تشتري سكوتها وتريح ضميرها. أنا رفضت أخد منها مليم واحد ليكم بعد ما الديون خلصت.. قلتلها عيالي هيكبروا بلقمة حلال من عرق جيبني، مش بفلوس ست باعت عيلتها واختارت راجل تاني وعيشة تانية وسابت عيالها في أوجاعهم. داليا لما رجعت النهاردة، رجعت لأن جوزها الغني طلقها وطردها بعد ما عرف حقيقتها وسرق فلوسها.. هي جاية تمثل دور الضحية وتستغلكم عشان تلاقي مكان تقعد فيه!”
ساد الصمت مرة أخرى، لكنه كان صمتًا مختلفًا.. صمت استيعاب الصدمة. أخيرًا، فهم الأولاد حجم التضحية التي قمت بها، وحجم القذارة التي حاولت داليا إخفاءها وراء ثوبها الغالي وبرفيومها الفاخر.
قامت مريم من مكانها، واقتربت مني ببطء، ثم ركعت على ركبتيها وأمسكت بيدي وقبلتها وهي تبكي:
“سامحني يا بابا.. سامحنا إننا شكينا فيك ولو للحظة واحدة.”
