المدير التنفيذي اسما 5

مرّت سنة كاملة.
سنة مليانة علاج ومحاكم وصحافة وأسئلة ووجوه بتبصلي بنظرات مختلفة.
في ناس كانت شايفاني ضحية.
وفي ناس شايفاني ست قوية.
وفي ناس كانت مستنية أشوفني واقعة.
لكن الحقيقة؟
إني كنت بس بحاول أتعلم أعيش من أول وجديد.
أول كام شهر بعد سجن كريم كانوا الأصعب…
البيت كان هادي بشكل يوجع.
الهدوء اللي بعد العاصفة بيبقى مرعب أحيانًا أكتر من العاصفة نفسها.
ليلى كانت بتحاول تبان قوية لكني كنت بسمع عياطها بالليل.
وآدم بطل يتكلم عن أبوه تمامًا.
أما أنا…
فكنت بصحى كل يوم الساعة ٤ الفجر بدون سبب.
أقعد في البلكونة ملفوفة ببطانية وأبص للسما وأفكر:
هو الإنسان يقدر يبدأ فعلًا بعد ما يتحطم؟
ولا إحنا بس بنتعلم نعيش بالكسور؟
وفي يوم شتا بارد… كنت في الشركة قاعدة لوحدي بعد ما الكل مشي.
الساعة كانت قربت على ٩…
والدنيا برا كانت بتمطر بغزارة.
كنت غرقانة في ورق واجتماعات وتوقيعات… بهرب بالشغل من أي إحساس.
لحد ما الباب خبط.
رفعت عيني بتعب.
“اتفضل.”
الباب اتفتح…
وطارق دخل.
قلبي وقف للحظة.
رغم إننا بقينا بنتقابل في الشغل والقضايا والتحقيقات… لكن كل مرة كنت بشوفه فيها كنت بحس بحاجة غريبة جوايا.
حاجة قديمة.
هادية.
وخايفة.
كان لابس جاكيت أسود والمطر مغرق شعره شوية.
بصلي ثواني طويلة… وبعدين قال:
“لسه بتشتغلي للوقت ده؟”
ابتسمت بخفة.
“وأنت لسه بتدخل بدون استئذان.”
ضحك.
أول مرة أشوف ضحكته مرتاحة من سنين.
قرب وحط كوباية قهوة قدامي.
“قولت أكيد نسيتي تاكلي.”
بصيت للقهوة… وحسيت بغصة صغيرة.
زمان.
من سنين جدًا.
كان كريم يفتكر مواعيدي وأكلي وكل حاجة.
لحد ما بطل يشوفني أصلًا.
أما طارق؟
فكان دايمًا يلاحظ التفاصيل الصغيرة بدون ما يتكلم.
قلت وأنا ببص للقهوة:
“لسه فاكر إني بحبها سادة.”
قال بهدوء:
“أنا فاكر كل حاجة.”
الكلمة علقت بينا ثواني.
هربت بعيني للورق قدامي.
“في حاجة مهمة؟”
سكت شوية… وبعدين قال:
“آدم اتخانق النهارده في المدرسة.”
رفعت عيني بسرعة.
“إيه؟”
“المدرسة كلمتني.”
استغربت.
“كلمتك إنت؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“نسيتي إنك كتبتي رقمي مع أرقام الطوارئ من شهر؟”
افتكرت.
يومها كنت في اجتماع مهم ومش عارفة أوصل بسرعة… فكتبته احتياطي.
الغريب إن الموضوع جه تلقائي.
كأن عقلي اختاره قبل قلبي.
قلت بقلق:
“هو كويس؟”
“كويس… بس ضرب ولد عشان اتكلم عن كريم.”
غمضت عيني بتعب.
ولادي كانوا لسه شايلين الجرح.
قال طارق بهدوء:
“متزعقيش له.”
بصيتله.
“وأنت عرفت منين إني هزعق؟”
ضحك بخفة.
“عشانك شبه نفسك زمان لما كنتِ بتخافي على كل حاجة لدرجة تخنقيها.”
الكلمة رجعتني سنين.
رجعتني للبنت اللي كانت بتجري في المكتب القديم بورق الشحن وتحلم تبني اسم.
البنت اللي كان طارق يشوفها أكتر من نفسها.
سألته فجأة:
“إنت ليه ما اتجوزتش؟”
السؤال خرج مني بدون تفكير.
هو نفسه اتفاجئ.
سكت ثواني… وبعدين بص للشباك وقال:
“يمكن لأني حبيت مرة واحدة.”
قلبي دق بعنف.
المطر برا كان بيخبط على الإزاز.
والمكتب بقى صغير جدًا فجأة.
قلت بصوت أهدى:
“وهي ماحبتكش؟”
لف وبصلي مباشرة.
“كانت بتحب حد تاني.”
نفسي اتسحب.
لأننا الاتنين فهمنا.
وماحدش قال الاسم.
سكتنا.
الصمت بين بعض الناس بيبقى أوضح من الكلام.
بعدين قرب مني بهدوء وقال:
“داليا… أنا عمري ما حاولت أخدك من كريم.”
بلعت ريقي.
قال:
“حتى لما كنت عارف إنه ما يستاهلكيش.”
دموعي لمعت بدون إذن.
لأول مرة حد يقول الجملة دي.
طول عمري كنت أنا اللي بقنع نفسي إن المشكلة فيا.
إني ناقصة.
مش كفاية.
لكن طارق كان أول حد يبصلي كأني كفاية فعلًا.
همست:
“ليه ماقولتش؟”
ابتسم بحزن.
“لأنك كنتي بتحبيه.”
الكلمة وجعتني بطريقة غريبة.
مش عشان كريم.
عشان نفسي القديمة.
النسخة اللي كانت مستعدة تحرق روحها عشان راجل.
طارق مد إيده بهدوء ومسح دمعة نزلت على خدي بدون ما أحس.
لمسته كانت دافية.
هادية.
مفيهاش استعجال.
ومفيهاش جوع.
بس احتواء.
ودي كانت أخطر حاجة.
لأن الست اللي اتحرمت من الأمان سنين… أول ما تدوقه بتخاف منه.
بعدت بسرعة وقومت.
“لازم أروح.”
هو ماحاولش يمنعني.
بس قال وأنا ماشية:
“إنتِ مش لوحدك يا داليا.”
الجملة دي فضلت تلف في دماغي طول الطريق.
الأيام بعد كده بدأت تتغير بهدوء.
مش حب كبير فجأة.
ولا اعترافات سينمائية.
لا.
كانت حاجات صغيرة جدًا.
طارق بقى يظهر في حياتنا تدريجيًا.
مرة يوصل آدم التمرين.
مرة يصلح حاجة بايظة في البيت.
مرة يجيب لليلى الكتب اللي بتحبها بدون ما تطلب.
ولأول مرة من سنين… البيت بقى فيه راجل ماحدش بيخاف منه.
حتى ليلى.
اللي كانت رافضة أي وجود رجالي حوالينا.
ابتدت تضحك معاه.
وفي مرة سمعتها بتقوله:
“إنت أهدى من بابا.”
وشفت الوجع يعدي في عينيه للحظة.
لكنه ابتسم وقال:
“أبوكي بيحبكم.”
ليلى ردت بعناد:
“بس وجعنا.”
طارق ماعرفش يرد.
وأنا من بعيد… حبيته أكتر.
عشان ماحاولش يكذب عليها.
في ليلة هادية… كنت قاعدة في الجنينة بشرب شاي.
وهو كان قاعد قدامي ساكت.
السكوت بينا بقى مريح.
مش تقيل.
ودي نعمة.
قال فجأة:
“فاكرة أول يوم شوفنا بعض؟”
ضحكت بخفة.
“في الميناء.”
هز راسه.
“كنتِ لابسة بدلة رمادي وشعرك منكوش وبتزعقي لسواق النقل.”
ضحكت أكتر.
“كان غبي.”
قال وهو بيبصلي:
“وكان عندك ٢٤ سنة وفاكرة إنك تقدري تشيلي الدنيا لوحدك.”
سكتت.
لأن دي كانت الحقيقة.
طول عمري بشيل.
أب. أم. بيت. جواز. شركة.
لحد ما وقعت.
سألته بهدوء:
“وإنت؟ كنت شايف إيه؟”
اتنفس ببطء وقال:
“ست متعبة بتحاول تبان قوية.”
الكلمة خبطتني جوايا.
لأن محدش كان بيشوف تعبي.
حتى كريم.
يمكن خصوصًا كريم.
قلت بصوت مبحوح:
“أنا تعبت أوي يا طارق.”
قرب كرسيه مني شوية.
“عارف.”
ولأول مرة من سنين…
حد قالها بدون ما أشرح.
بدون ما أمثل.
بدون ما أبرر.
دموعي نزلت فجأة.
مش انهيار.
تحرر.
طارق مد إيده بهدوء.
وللمرة دي… ما بعدتش.
سندت راسي على كتفه.
وهو ماقالش أي حاجة.
فضل ساكت.
بس إيده على شعري كانت كفاية تطمني إن العالم مش كله مؤذي.
بعدها بأسبوع…
آدم دخل عليا المطبخ وقال فجأة:
“هو طارق بيحبك؟”
الكوباية وقفت في إيدي.
“ليه بتسأل؟”
رفع كتفه.
“واضح.”
ضحكت بتوتر.
“وأنت مضايق؟”
فكر شوية… وبعدين قال:
“لا.”
اتصدمت.
كمل وهو بيبص في الأرض:
“بس خايف تزعلي تاني.”
قلبي اتكسر واتصلح في نفس اللحظة.
حضنته بقوة.
“المرة دي مختلفة.”
همس:
“عشان هو بيبصلك كأنه خايف يكسرك.”
دموعي نزلت فورًا.
لأن ابني شاف اللي أنا خدت سنين عشان أفهمه.
الحب الحقيقي مش اللي يخليكِ تقلقي وتشكّي وتخافي.
الحب الحقيقي يخاف عليكِ منكِ.
في يوم الجمعة…
طارق أخدنا كلنا وسافرنا إسكندرية يوم واحد.
ليلى كانت بتضحك طول الطريق.
وآدم رجع يهزر أخيرًا.
وأنا كنت قاعدة أبص عليهم وأحس إن روحي بترجع حتة حتة.
على البحر وقت الغروب… كنت واقفة لوحدي.
الهوا كان بيلعب في شعري.
وفجأة حسيت بطارق يقف جنبي.
قال بهدوء:
“أجمل وقت في البحر قبل الضلمة بشوية.”
ابتسمت.
“ليه؟”
قال:
“عشان بتحسي إن اليوم بيخلص… بس لسه فيه نور.”
بصيتله.
وكان واضح إنه مش بيتكلم عن البحر.
سألته:
“إنت استنيتني كل السنين دي؟”
ضحك بخفة.
“لا.”
بعدين بصلي مباشرة.
“أنا بس ماعرفتش أحب حد غيرك.”
قلبي اتخبط بعنف.
الكلام كان بسيط.
لكن صادق بشكل مرعب.
مافيهوش استعراض.
ولا ضغط.
ولا طلب.
مجرد حقيقة.
دموعي لمعت وأنا بسأله:
“حتى بعد كل اللي حصل؟”
قال بدون تردد:
“أكتر.”
هنا انهارت آخر حتة خوف جوايا.
لأن الراجل ده شاف أسوأ نسخي.
شافني مكسورة.
غلطانة.
ساكتة عن الحق.
مرعوبة.
وشافني وأنا بخرج من كل ده.
وبرضه اختارني.
قرب مني ببطء شديد كأنه مستني إذن.
ولما ما بعدتش…
حط إيده على خدي.
وقال بهمس:
“إنتِ تستحقي حب يطمنك مش يحبسك.”
والمرة دي…
أنا اللي قربت.
أول بوسة بينا ماكنتش نار ولا جنون.
كانت أمان.
وكانت أول مرة في عمري أحس إن قلبي مش بيجري من الخوف.
بعد ست شهور…
البيت اتغير.
مش بالأثاث.
بالروح.
بقى فيه ضحك تاني.
ريحة أكل.
مزيكا شغالة الصبح.
ليلى بقت تحكي يومها على السفرة.
وآدم رجع يتكلم عن أحلامه.
أما أنا…
فبطلت أصحى الفجر مفزوعة.
وفي ليلة شتا هادية…
كنت واقفة في المطبخ بعمل قهوة.
وطارق دخل ووقف ورايا.
لفيت أبصله.
لقيته ماسك علبة صغيرة.
ضحكت فورًا.
“إيه ده؟”
قال بتوتر واضح:
“حاجة كان المفروض أعملها من سنين.”
قلبي دق.
قرب وقال:
“أنا مش جاي أصلح حياتك يا داليا… إنت أصلًا قوية من غيري.”
دموعي بدأت تنزل.
كمل:
“بس لو تسمحيلي… أحب أكملها معاكي.”
فتح العلبة.
خاتم بسيط جدًا.
رقيق.
لكن أجمل من أي حاجة شفتها.
لأن اللي قدمهولي… راجل أخيرًا ماكنش عايز يمتلكني.
كان عايز يشاركني الحياة.
سألني بهدوء:
“تتجوزيني؟”
ضحكت وسط دموعي.
أول ضحكة طالعة من قلب مرتاح.
وقلت:
“آه.”
وفي يوم فرحنا…
ماكانش فيه قاعة ضخمة.
ولا صحافة.
ولا استعراض.
كان يوم صغير.
هادي.
في ڤيلا على النيل.
ليلى هي اللي اختارت فستاني.
وآدم هو اللي سلمني لطارق.
ولما وقفنا قدام بعض…
بصلي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي من أول يوم.
نظرة راجل شايفني كاملة حتى بكسوري.
وهمس قبل ما المأذون يبدأ:
“أخيرًا.”
ابتسمت وقلت:
“متأخر شوية.”
ضحك.
وقال:
“بس جه في وقته الصح.”
وفي اللحظة دي…
وأنا واقفة وسط ولادي والناس القليلة اللي بتحبنا بجد…
فهمت حاجة مهمة جدًا.
إن ربنا أحيانًا ما بيمنعش عنك الحب…
هو بس بيبعد عنك الشخص الغلط لحد ما قلبك يبقى مستعد للشخص الصح.
وإن الجبر الحقيقي…
مش إن حد ينسيك وجعك.
الجبر الحقيقي إن حد يمسك قلبك بحذر…
كأنه عمره ما هيسامح نفسه لو أذاه.
تمت..يارب تكون عجبتكم حكايات اسما السيد

