عيد الأم، حكايات رومانى مكرم 2

وقفت مريم تقرأ الرسالة بصوت مرتجف، وكأن داليا تتحدث من خلف القضبان التي تنتظرها:

> “إلى أحمد وأولادي..

> إذا كنتم تقرأون هذه الرسالة، فهذا يعني أنني إما هربت مجددًا، أو أن الماضي قد نال مني وأصبحت خلف القضبان. أحمد.. أنا لم أعد إليكم لأستغلكم كما تظن، بل جئت لأنني أدركت بعد فوات الأوان أنني خسرت كل شيء. الزوج الغني الذي اخترته ثبت أنه نصاب كبير، واستغل اسمي وتوقيعي لتهريب أموال وتدبيسي في قضايا تزوير وشيكات بدون رصيد.

> أنا جئت وأنا أعلم أن رجاله يراقبونني، وكنت أعلم أنهم سيصلون إليّ في بيتك. جئت لأترك لكم الشيء الوحيد الحقيقي الذي استطعت إنقاذه من تلك الزيجة المشبوهة.. في أسفل هذا المغلف، ستجدون وثيقة تنازل رسمي وموثق عن أرض شاسعة ورثتها عن زوجي قبل أن يكتشف أمري، الأرض مسجلة باسم مريم وإخوتها الأربعة بالتساوي. هذه الأرض قيمتها المادية كفيلة بأن تجعلكم تعيشون في رغد طوال حياتكم.. كفيلة بأن تعوضكم عن الشقاء الذي عشتوه بسببي.

> أحمد.. أنا كذبت في كل شيء، لكن حقيقة واحدة لم أستطع تزييفها.. أنا أحببتكم بطريقتي المريضة، وأعلم أنني لا أستحق غفرانكم.. لكنني على الأقل، سددت فاتورتي الأخيرة.”

>

ساد الصمت الغرفة مجددًا، لكنه لم يكن صمت رعب، بل صمت دهشة وذهول. نظرت مريم إلى أسفل المغلف، وبالفعل، أخرجت عقد الأرض الموثق بالأختام الرسمية، وبجانبه شيك مقبول الدفع بمبلغ ضخم يكفي لتأمين مستقبل الخمسة بالكامل، وتعليمهم في أفضل الجامعات.

نظرت مريم إليّ والدموع في عينيها: “بابا.. داليا سابت لنا ثروة.. سابت لنا حقنا اللي ضاع.”

نظرت إلى عقد الأرض، ثم نظرت إلى جدران بيتي القديم، وإلى يدي الخشنتين اللتين طالما تشققت من أجل لقمتهم. تنفست الصعداء، وشعرت وكأن جبلًا من الهموم قد انزاح عن صدري. لم تكن هذه الأموال تعويضًا عن غياب الأم، فالأم لا تعوض بالمال، لكنها كانت “عدالة السماء” التي جرت إلينا حتى باب بيتنا لتطوي صفحة الفقر الشديد والتعب والكد الشاق.

أمسكت بالعقد والشيك، ووضعتهم في يد مريم، وقلت لها وعيني تلمع بدموع الانتصار:

“الفلوس دي يا مريم.. دي عرق السنين اللي فاتت. دي تمن صمودكم، وتمن الجوع اللي شبعتوه، وتمن الكبرياء اللي وقفتي بيه قدام الست اللي باعتكم. الفلوس دي مش حبايب من داليا.. دي ربنا سخرها عشان يرجع لكم حقكم منها غصب عنها.”

التف أولادي حولي مرة أخرى، وزياد وطارق يبتسمان لأول مرة من قلوبهما، وهناء تضحك وهي تحتضن يوسف الذي لم يكن يفهم الكثير، لكنه كان سعيدًا لأن الجميع سعداء.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!