عيد الأم، حكايات رومانى مكرم 2

مسحت على رأسها وأنا أشعر بغصة في حلقي.. لكن قبل أن ننتهي من هذه اللحظة المؤثرة، رن هاتف المنزل الأرضي القديم.. رنين متواصل، مزعج، كأنه نذير شؤم جديد.
نظرت مريم إلى الهاتف، ثم نظرت إليّ.. وتقدمت ببطء لترفع السماعة. بمجرد أن وضعتها على أذنها، تغيرت ملامح وجهها تمامًا، وتحول البكاء إلى رعب خالص، وسقطت السماعة من يدها لتتأرجح في الهواء، بينما كان يصدر منها صوت ضحكة داليا الهستيرية وهي تقول عبر الهاتف:
“مفتكرش إن الحكاية خلصت يا أحمد.. الديانين القدام عرفوا إني رجعت مصر.. وعرفوا طريق بيتك!”
## الجزء الرابع: النار التي التهمت الأقنعة (الجزء قبل الأخير)
سقطت سماعة الهاتف وظلت تتأرجح في الهواء كبندول ساعة يعلن بداية وقت الحساب. صوت ضحكة داليا الهستيرية الذي تسرب من السماعة المعلقة ملأ أركان الصالة بالرعب، بينما تجمدت مريم في مكانها، وعيناها متسعتان من الصدمة وهي تنظر إليّ.
“بابا…” همست مريم بصوت مرتعش، “داليا بتقول إنهم جايين هنا.. دلوقتي!”
في تلك اللحظة، شعرت ببرودة تسري في أطرافي. عشر سنوات من الكفاح، من العمل الشاق حتى تدمت يداي، ومن السهر لحماية هؤلاء الصغار، كلها كانت مهددة بالانهيار في ثوانٍ بسبب أنانية امرأة لم ترحمنا يوماً. التفتُّ إلى أولادي؛ زياد وطارق وقفا بجانب أختهما كأنهما درعان، وهناء ضمت يوسف الصغير إلى صدرها وهي تبكي بصمت.
“محدش يخاف،” قلتها بنبرة حاولت جاهداً أن أهديها قوة لا أمتلكها في تلك اللحظة. “زياد.. خد إخواتك وادخلوا الأوضة وجوا. اقفلوا الباب بالمفتاح، ومحدش يفتح مهما حصل.. مريم، خليكي معايا.”
تحرك الأولاد بسرعة، يجرون أقدامهم بخوف، بينما ظلت مريم واقفة بجانبي، ملامحها الشابة تحولت فجأة إلى ملامح امرأة ناضجة تواجه مصيراً محتوماً. وقفتُ خلف الباب الخشبي القديم لبيتنا، وأنا أستمع إلى الأصوات القادمة من السلم.
ولم يطل الانتظار.
صوت خطوات ثقيلة، تلاها طرق عنيف على الباب كاد يخلعه من مفصلاته. نظرت إليّ مريم وأومأت برأسها وكأنها تثبتني. فتحتُ الباب ببطء، ليظهر أمامي رجلان ضخام الج*ثة، ملامحهما قاسية، وخلفهما كانت تقف داليا!
لكنها لم تكن داليا الشيك الفخورة التي دخلت علينا منذ ساعات. كان شعرها مبعثراً، والمكياج الغالي قد سال على وجهها بفعل الدموع والخوف، وكان أحد الرجلين يمسكها من ذراعها بقسوة.
“أهلاً يا أحمد.. عاش من شافك،” قال الرجل الذي يبدو أنه قائد السندة بنبرة ساخرة، ودخل الشقة دون استئذان، دافعاً داليا أمامه لتسقط على الأرض تحت أقدامنا.
