حكايات اسما السيد 2

خالتها أمينة فضلت عندها أسبوع كامل.
الأسبوع ده كان أغرب أسبوع مر على ياسمين في حياتها.
لأول مرة تصحى الصبح من غير خوف من مكالمة، أو طلب، أو شعور بالذنب.
الخالة كانت بتعمل شاي بالنعناع كل صباح، وتفتح الشبابيك للشمس، وتقعد تحكي حكايات قديمة عن طفولة ياسمين عمرها ما سمعتها قبل كده.
وفي ليلة وهم قاعدين في البلكونة، سألتها ياسمين بصوت مكسور: — هو أنا فعلًا كنت وحشة؟ علشان كده عمرهم ما حبوني؟
الخالة أمينة بصتلها بصدمة: — إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟
— طول عمري حاسة إن في حاجة ناقصة فيا. مهما نجحت… مهما تعبت… عمرهم ما شافوني كفاية.
الخالة تنهدت بحزن وقالت: — المشكلة عمرها ما كانت فيكِ يا ياسمين… المشكلة إنهم اتعودوا إنك قوية. والبشر للأسف أوقات بيدلعوا الأضعف… ويستغلوا الأقوى.
الكلام لمس جزء موجوع جواها.
لأنها كانت فعلًا “القوية” طول الوقت.
البنت اللي ما بتعيطش. اللي تحل مشاكلها بنفسها. اللي تشتغل وتصرف وتسكت.
أما دينا؟ فكانت دائمًا الضحية الرقيقة اللي الكل يجري ينقذها.
بعد الفضيحة الكبيرة، الدنيا اتقلبت على عيلتها.
الناس بدأت تتكلم.
أصحاب أبوها في الشغل عرفوا إنه باع بيته علشان يعمل فرح استعراضي لبنته.
قرايبهم بقوا يبعدوا بالتدريج.
حتى أهل كريم الحديدي بدأوا يقلقوا.
أم كريم كانت ست متكبرة طول عمرها، لكن فكرة إن أهل العروسة باعوا بيتهم بالكامل علشان يرضوا ابنها خلتها تشوفهم بشكل مختلف.
وفي يوم، دينا راحت عند ياسمين بدون ميعاد.
كانت واقفة قدام الباب بعينين مرهقين وشكلها متبهدل.
أول ما فتحت لها ياسمين، الاتنين فضلوا ساكتين ثواني طويلة.
ثم دينا قالت بصوت مبحوح: — ممكن أدخل؟
دخلت وقعدت في الصالة وهي باصة حواليها.
البيت كان هادي ودافي بشكل يخنقها.
قالت فجأة: — أنا كنت بكرهك.
ياسمين رفعت عينيها ناحيتها.
دينا كملت وهي تبكي: — طول عمري بحس إنك أحسن مني في كل حاجة… أذكى… أقوى… حتى بابا وماما وهم بيفضلوني كانوا بيرجعوا يعتمدوا عليكِ في الآخر.
ياسمين ضحكت بمرارة: — غريبة… وأنا طول عمري فاكرة إنكم شايفيني أقل.
دينا مسحت دموعها: — علشان إنتِ ماكنتيش محتاجة حد. أما أنا… كنت دايمًا محتاجة اهتمام.
الكلمات دي هزت ياسمين.
لأول مرة تشوف أختها بدون غيرة أو تمثيل.
مجرد إنسانة ضعيفة اتربت على فكرة إن الحب يُؤخذ بالدلع والاحتياج.
لكن رغم ده… الجراح كانت أعمق من إنها تلتئم بسهولة.
دينا بصتلها برجاء: — ممكن تساعدينا؟ بابا وماما حرفيًا ما عندهمش مكان.
ياسمين سكتت طويلًا.
ثم قالت بهدوء: — هساعدهم… لكن مش يعيشوا هنا.
الراحة ظهرت على وش دينا فورًا.
ياسمين بالفعل استأجرت شقة صغيرة محترمة في مدينة نصر لمدة سنة كاملة باسم والدها.
دفعت الإيجار مقدمًا.
لكنها حطت شروط واضحة: مفيش مفاتيح لبيتها. مفيش تدخل في حياتها. ومفيش طلبات فلوس تاني.
أبوها رفض في البداية بعناد وكبرياء: — إحنا مش شحاتين!
لكن بعد أسبوعين فقط… قبل.
لأن الحقيقة كانت أقوى من كبريائه.
أما أمها… فبدأت تتصل بياسمين بحذر غريب.
في البداية مجرد سؤال: — أكلتي؟
ثم: — الجو ساقعة عندك؟
ثم مكالمة طويلة بليل وهي تبكي لأول مرة بصدق: — أنا ظلمتك يا ياسمين.
الجملة اللي استنتها طول عمرها… لما سمعتها أخيرًا، ما جابتش الراحة اللي تخيلتها.
لأن بعض الاعتذارات تيجي متأخرة جدًا.
مرت الشهور.
وفرح دينا اتعمل فعلًا… لكن أصغر بكتير من المخطط المجنون القديم.
ولأول مرة، كان بسيط وإنساني.
بدون استعراض زيادة.
حتى كريم الحديدي نفسه بدأ يتغير بعد اللي حصل.
في ليلة قبل الفرح بأيام، طلب يقابل ياسمين.
قعد قدامها في كافيه هادي في الشيخ زايد وقال: — أنا كنت متكبر.
ابتسمت بسخرية خفيفة: — اكتشاف متأخر.
هز راسه: — يمكن. بس اللي حصل خلاّني أفهم إن الفلوس مش كل حاجة.
ثم سكت لحظة وأضاف: — بصراحة؟ أنا كنت معجب بيكِ من أول مرة… بس غروري ما استحملش إنك تبقي أقوى مني.
الجملة صدمتها.
لأنها أول مرة تسمع راجل يعترف بالحقيقة دي بصراحة.
لكنها ردت بهدوء: — للأسف يا كريم… الناس اللي بتحب فعلًا ما بتحاولش تكسر الشخص اللي قدامها.
بعد الجواز، دينا سافرت مع جوزها دبي.
وأبوها وأمها بقوا لوحدهم لأول مرة من سنين.
وفجأة… اكتشفوا إن البيت فاضي جدًا بدون ياسمين.
بدأ أبوها يتصل بيها يسألها عن شغلها.
وأحيانًا يطلب يشوفها على الغدا.
في أول مرة راحت، كان التوتر خانق.
لكن وهي قاعدة على السفرة، أبوها بص لها فجأة وقال: — أنا كنت فخور بيكِ طول الوقت… بس عمري ما عرفت أقولها.
دموعها اتحبست بصعوبة.
لأن الكلمة دي كانت حلم طفولتها.
لكنه كمل بصوت مكسور: — للأسف افتكرت إن القسوة هتخليكِ أقوى.
ياسمين ردت بهدوء: — وأنا بقيت قوية فعلًا… بس لوحدي.
الجملة وجعته أكتر من أي صريخ.
بمرور الوقت، العلاقة بينهم بدأت تتصلح ببطء.
مش مثالية.
مش دافية بالكامل.
لكن حقيقية لأول مرة.
وياسمين بدأت تكتشف حاجة مهمة: إن التسامح مش معناه تنسى. ومش معناه ترجع تسمح بالأذى.
هو بس معناه إنك تبطل تخلي الماضي يسرق سلامك.
وفي وسط كل ده… دخل شخص جديد حياتها.
اسمه عمر.
مهندس معماري هادي قابلته بالصدفة في مؤتمر استثماري.
ماكانش مبهور بمنصبها. ولا بفلوسها. ولا حتى ببيتها.
كان يسمعها فعلًا.
ومع الوقت، وجوده بقى مريح بشكل يخوف.
في مرة وهم يتمشوا في ممشى أهل مصر بالليل، سألها: — إيه أكتر حاجة نفسك فيها دلوقتي؟
سكتت تفكر.
ثم قالت بابتسامة صغيرة: — أبقى مرتاحة… من غير ما أحس إني لازم أحارب طول الوقت.
عمر بص لها طويلًا وقال: — يمكن لأنك أخيرًا لقيتي ناس مش عايزين منك حاجة.
الكلمة لمست قلبها بقوة.
لأنها كانت حقيقية.
بعد سنة كاملة، كانت ياسمين واقفة في جنينتها الصغيرة في بيتها، بتسقي الورد وقت الغروب.
أمها وأبوها جايين يتغدوا عندها.
دينا بعتالها صورة من دبي وهي حامل.
وعمر جوا بيجهز الشاي وهو بيغني بصوت نشاز يضحك.
وقفت ياسمين لحظة تبص للسماء البرتقالي.
ثم ابتسمت بهدوء.
الحياة ما بقتش كاملة فجأة.
لسه في جروح. ولسه في ذكريات بتوجع.
لكن لأول مرة… بقت حاسة بالأمان.
وفهمت أخيرًا إن البيت الحقيقي مش مجرد حيطان.
البيت الحقيقي… هو المكان اللي ما تحتاجش فيه تدافع عن حقك في الحب.
وبعد كل اللي حصل… ياسمين ما خسرتش عيلتها وبس.
هي خسرت النسخة القديمة من نفسها.
البنت اللي كانت تفتكر إن قيمتها في التضحية المستمرة.
واكتسبت بدلها امرأة تعرف إن الحب الحقيقي… لا يُطلب بالقهر… ولا يُشترى بالذنب… ولا يُفرض بالخوف.
وفي آخر الليل، بعدما الكل مشي، وقفت في بلكونتها تمسك كوب الشاي الدافي.
عمر خرج وقف جنبها وسألها بابتسامة: — سرحانة في إيه؟
بصت لأنوار الشيخ زايد البعيدة وقالت بهدوء: — بفكر قد إيه الإنسان ممكن يضيع عمره كله وهو بيحاول يخلّي ناس معينة تحبه… وينسى يحب نفسه.
عمر مد إيده ومسك إيدها برفق: — المهم إنك عرفتي الحقيقة في الآخر.
ابتسمت وهي تسند رأسها على كتفه.
أيوه…
الحقيقة كانت مؤلمة.
لكنها أنقذتها.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!