عيد الأم، حكايات رومانى مكرم 2

صرخت داليا صرخة رعب وهي تحاول التشبث بقدمي: “أحمد!! هتموتني؟! هيحبسوني يا أحمد!! أنا أم عيالك!”

لكن الرجلين لم ينتظرا؛ سحبها أحدهما بعنف من يدها وهي تصرخ وتستغيث وتخربش الأرض بأظافرها الغالية، بينما وقفتُ أنا ومريم ننظر إليها بقلوب تحولت إلى حجارة. سحبوها خارج الشقة، وصوت صراخها يملأ السلم، حتى أُغلق باب العمارة الخارجي، وعاد الصمت للبيت من جديد.

ارتخت عضلات جسدي، وجلست على الكرسي وأنا أنفث هواءً كتمته طوال سنين. خرج الأولاد من الغرفة يجرون نحوي، وارتموا في حضني وهم يبكون.. لكن هذه المرة، لم تكن دموع خوف، بل كانت دموع حرية.

نظرت مريم إليّ، ومسحت دموعها وقالت: “خلاص يا بابا.. الكابوس انزاح.”

أومأت لها برأسي.. لكني لم أكن أعلم، أن ذيل الأفعى لا يموت بسهولة، وأن داليا وهي تُساق إلى مصيرها الأسود، كانت قد تركت وراءها شيئاً صغيراً سيتسبب في قلب حياتنا رأساً على عقب في المحطة الأخيرة…

حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم

## الجزء الخامس والأخير: ثمن الحرية وبداية الفجر

هدأ البيت تمامًا بعد خروج داليا ورجالها، والتف حولي أولادي الخمسة يضمونني بقوة، كأنهم يعيدون تجميع أشلاء روحي التي تاهت طوال عشر سنوات. كانت أنفاسنا المتسارعة تهدأ تدريجيًا، والدموع التي سالت لم تكن دموع حزن، بل كانت غسيلًا لسنوات من القهر والظلم والكدب.

نظرت إلى مريم، فرأيت في عينيها لمعة فخر لم أرها من قبل. التفتّ ليوسف الصغير، ومسحت على شعره، فابتسم لي وقال ببراءته المعهودة: “بابا.. إحنا خلاص مش مستنيين حد يرجع، صح؟”

قبلت رأسه وقلت: “صح يا قلب أبوك.. إحنا مع بعض، ومفيش قوة في الدنيا تقدر تفرقنا تاني.”

لكن، وسط هذه اللحظة الدافئة، لمحت مريم شيئاً ملقى على الأرض بجانب الباب. كان جسدها قد تشنج فجأة وهي تتقدم ببطء لترفع ذلك الشيء.

لقد كانت الشنطة الصغيرة الفاخرة التي كانت داليا تمسك بها وتتباهى بغناها قبل أن يقتحم الرجال الشقة. يبدو أنها سقطت منها وسط المعمعة وسحب الرجال لها، ولم تلتفت إليها من رعبها.

“بابا.. داليا سابت شنطتها،” قالت مريم وهي تفتح السحاب ببطء.

توقعنا جميعًا أن نجد فيها أدوات تجميل أو أموالاً، لكن مريم أخرجت منها مغلفًا ورقيًا بنيًا كبيرًا، سميكًا ومغلقًا بعناية. نظرت مريم إليّ بحيرة، فأومأت لها برأسي لتفتحه.

عندما فتحت مريم المغلف، سقطت منه مجموعة من الأوراق الرسمية، وصور فوتوغرافية قديمة، وجواز سفر يحمل اسم داليا لكن بصورة شخص آخر! وفي وسط الأوراق، كانت هناك رسالة مكتوبة بخط يد داليا، مؤرخة بتاريخ الأسبوع الماضي فقط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!