ابتسمت بثقة وهدوء وأنا سانده إيدي على حلق الباب، وبصيت لأحمد من فوق لتحت. الصمت اللي ساد في الممر كان كفيل يخليني أسمع صوت دقات قلوبهم المرعوبة. أحمد كان واقف متنح، عينيه بتتحرك على كل تفصيلة في وشي؛ بيدور على أثر حرق، على علامة حمراء، على أي قشرة تثبت إني الست المشوهة اللي هرب منها، بس ملقاش غير وش أنور وأجمل من اللي سابه. حماتي بلعت ريقها وبدأت تفرك في إيديها بتوتر، وقالت بصوت هزه الخوف: "مدام؟ أنتِ رجعتي إزاي؟ وبقيتي كدة إزاي؟ إحنا.. إحنا قالولنا في المستشفى إنك..." قاطعتها بضحكة خفيفة بس رنانة، وقولت وأنا بربع إيديا: "قالولكم إيه يا طنط؟ قالولكم إني اتمسحت؟ ولا افتكرتوا من دماغكم إن وشي اللي فدى ابنك الغالي هيكون حمل عليكم؟ أحمد.. مالك واقف بعيد كده ليه؟ مش هتقول لمراتك.. أقصد لـ (طليقتك) حمد الله على السلامة؟" أحمد أخيرًا نطق، بس صوته كان طالع مبحوح ومكسور: "مدام.. أنتِ.. وشك ملوش أثر؟ الحريقة.. أنا شوفتك في المستشفى..." خطيت خطوة واحدة لجوه الشقة، ف رجعوا هما الاثنين خطوتين لورا تلقائيًا. قولتله وعيني في عينه: "الحروق كانت سطحية يا أحمد، من الدرجة الأولى. يعني شوية كريمات ومضادات حيوية في كام أسبوع رجعتني زي الأول وأحسن. بس أنت مكنتش موجود عشان تسمع الدكتورة.. أنت كنت مشغول بتلم حاجتك وتدور على شقة في التجمع وبتكتب ورقة الطلاق!" في اللحظة دي خرجت أخته "نهى" من المطبخ على صوتنا، وأول ما شافتني شهقت وحطت إيدها على صدرها وقالت بذهول: "يالهوي! مدام؟! أنتِ خفيتي إزاي؟" بصيت لها وقولت: "خفيت بنضافة قلبي يا نهى، وبأن ربنا مبيسيبش حق حد. هربتوا زي الفيران، غيرتوا أرقامكم، عملتولي بلوك من كل حتة، وافتكرتوا إنكم لما تستخبوا هنا محدش هيوصلكم. نسيتوا إن اللي هربتوا منها دي هي اللي خرجت ابنكم من وسط النار وهو سليم مفيش فيه خدش!" أحمد بدأ يستوعب الصدمة، والندم ظهر في عينيه بشكل مش طبيعي. قرب مني خطوة وقال ونبرة صوته اتغيرت تمامًا للرجاء: "مداد، أرجوكي افهميني.. أنا اتعميت، الشيطان شاطر. أنا لما شوفتك في المستشفى والشاش مغطي وشك والمنظر كان صعب، عقلي وقف.. أمي وأختي فضقوا يقولولي هتعيش عمرك كله بتعالجها وشكلها مش هيرجع، وأنا خوفت.. خوفت ومكنش معايا مصاريف العمليات اللي كنت فاكر إنك هتحتاجيها. والله العظيم أنا ندمان، أنا كنت بموت في اليوم مية مرة وأنا بعيد عنك." حماتي لما لقت ابنها بدأ يضعف ويهزأ نفسه، حاولت تتدخل وتنقذ الموقف، فقالت بنبرة حادة مصطنعة: "جرى إيه يا مدام؟ خلاص اللي حصل حصل، وأنتِ أهو قمر وزي الفل ومفكيش حاجة، وأحمد اتهور وطلقك.. خلاص، كل حي يروح لحاله، وأنتِ كسبتي صحتك، جاية لحد بيتنا ليه وتتهجمي علينا؟" بصيت لحماتي بنظرة حتقار خلتها تسكت خالص، وقولت لها: "أنا متهجمتش على حد يا طنط، أنا جاية أصلح خطأ في الحسابات عندكم. أنتم افتكرتوا إنكم هربتوا بالفلوس اللي وفرتوها من علاجي، وافتكرتوا إنكم بدأتم حياة جديدة. بس أنا مش جاية عشان أرجع لأحمد، أنا لو أحمد ده اتمسح من الدنيا مش هبص ورايا. أنا جاية أقولكم إن القضية اللي اختي كانت عاوزه ترفعها زمان، أنا هرفعها دلوقتي.. بس مش قضية خناق، أنا جاية أطالب بكل حقوقي القانونية؛ مؤخر الصداق، نفقة المتعة، العدة، وقبل كل ده قايمة منقولاتي اللي البواب قالي إنكم لميتوها في الكراتين وجبتوها هنا!" أحمد وشه جاب ألوان، وبص لأمه وأخته برعب، وقال: "حقوق إيه وقايمة إيه يا مدام؟ إحنا دافعين كل اللي حيلتنا مقدم الشقة دي وممعناش مليم!" قولتله بابتسامة باردة: "دي مشكلتك مش مشكلتي يا أحمد. يا تدفعوا كاش، يا إما قايمة المنقولات تيجى لحد بيت أمي زي ما أخدتوها، وطبعًا مش هتنازل عن مليم واحد من حقوقي، والورقة اللي في إيدي دي" وطلعت الموبايل ووريتهم صورة من محضر إثبات الحالة اللي عملته في قسم الشرطة قبل ما أجي "دي هتخلي المحامي بتاعي يوجب معاكم صح." أخت أحمد زعقت: "أنتِ جاية تخربي بيتنا وتدمرى مستقبله؟" رديت عليها بقوة حديدت صدمتهم: "أخوكي دمر مستقبلي وهو فاكرني مشوهة، وباعني في لحظة كنت بموت فيها علشانه. أنا مش هسيب حقي، واليومين اللي عشتهم باصة للسقف في المستشفى هتدفعوا تمنهم غالي أوي.. بس بالقانون." أحمد رمى نفسه على الكرسي وحط رأسه بين إيديه وهو بيعيط وبيردد: "أنا أسف يا مدام.. أنا مستعد أرجعك ونبدأ من جديد، أنا بحبك ومستعد أعمل أي حاجة." بصيت لدموعه ومحركتش فيا شعرة واحدة، وقولتله وأنا بلف ضهري عشان أمشي: "أنا وشي رجع أحسن من الأول، بس أنت وأهلك تشوهتوا من جوه وللأبد، وعمر ما في كريم في الدنيا هيصلح وساخة قلوبكم.. جهزوا نفسكم، لإن المحضر هيتحول لنيابة خلال 24 ساعة." نزلت على السلم وأنا سامعة صوت خناقهم وصراخ حماتي وهي بتلطم وتدعي على ابنها وعلى أختها اللي وزوها، وصوت أحمد وهو بيزعق فيهم بهيستيريا. ركبت التاكسي وأنا حاسة بنصر ملوش مثيل، بس جوايا عارفة إن دي كانت مجرد جولة أولى، والملف لسه مقفلش. قفلت باب التاكسي ورايا وأنا حاسة إن النَفَس اللي داخل صدري بقاله شهرين مكتوم، أخيرًا خرج. ريحة الانتصار كانت مالية العربية، بس عينيا كانت باصة لطريق التجمع الطويل وأنا بفكر في الخطوة الجاية. الناس دي هربت عشان الفلوس، واللي بيجري ورا القرش ويبيع مراته وهي بين الحيا والموت، مش هيسكت بسهولة لما يلاقي نفسه مهدد بالسجن أو الحبس بسبب القايمة والمؤخر. وصلت بيت أمي، وأول ما فتحت الباب لقيت أمي وأختي قاعدين على نار مستنييني. أختي وقفت بسرعة وقالت بلهفة: "عملتي إيه يا مدام؟ شوفتيهم؟ واجهتيهم؟" قعدت على الكرسي بهدوء، وحطيت شنطتي، وابتسمت قائلة: " شوفتهم.. وشوفت الرعب في عينيهم. شوفت وش أحمد وهو بيتجمد مكانه، وحماتي وهي بتركبها مية عفريت لما لقتني واقفة قدامها.. سليمة، ومفياش خربوش." أمي دمعت وقالت: "الحمد لله يا بنتي، ربنا نصرك ووراهم إنك غالية.. بس عملوا إيه لما عرفوا؟" حكيت لهم كل اللي دار، من أول صدمة الوش لحد التهديد بالقانون والقايمة والمحضر. أختي صقفت بإيدها وقالت بغل: "أيوة كده! هو ده الكلام.. المحامي بتاعنا جاهز، والمحضر اللي عملتيه ده أول مسمار في نعشهم. لازم نخليهم يلفوا حوالين نفسهم." معداش أربع وعشرين ساعة، وتليفون أختي رن برقم غريب. كنا قاعدين بنشرب الشاي، أختي ردت وفتحت المايك.. وجالنا صوت أحمد، بس مكنش صوت أحمد بتاع امبارح المنكسر، صوته كان فيه نبرة غل وتحدي، وكأن حماته وأخته قعدوا معاه بالليل وشحنوه. أحمد قال بغطرسة مصطنعة: "اسمعي يا مدام، أنا عارف إنك سامعاني.. المحضر اللي عملتيه ده ببليه واشربي ميته. الشقة اللي إحنا فيها دي إيجار جديد باسم واحد صاحبي، والمنقولات اللي جواها مفيش حاجة تثبت إنها بتاعتك، أنا غيرت تلت أرباع الكراتين وبعت حاجات منها عشان أدفع السمسار والمقدم. لو لفتي كعب داير في المحاكم مش هتاخدي مني مليم، أنا معيش فلوس، والقايمة دي هقسطهالك بالمحكمة خمسين جنيه في الشهر لو عرفتي تثبتي مكان الحاجه أصلاً!" أختي زعقت في التليفون: "أنت بني آدم بجح وندل! بقى بتسرق شقا البنت وتتبجح؟" أحمد ضحك بسخرية: "القانون مبيحميش المغفلين يا شاطرة.. ومدام هي اللي سابت الشقة وخرجت مع أهلها، يعني هي اللي سابت حاجتها. أنا عارض عليها الصلح امبارح وهي اللي اتكبرت. قدامكم ٤٨ ساعة، لو المحضر ده متسحبش، أنا هرفع قضية طاعة، وهخلي القاضي يحكم بإنك ناشز، وتخسري كل مليم، حتى المؤخر!" وقفل السكة في وشنا. أمي حطت إيدها على صدرها وقالت بخوف: "يالهوي يا بنتي.. ده ممكن يعملها؟ ده طلع تعلب ومخطط لكل حاجة!" قمت وقفت بثبات، وبصيت لأمي وقولت: "أحمد غبي يا أمي، والغباء دايماً بيسيب وراه خيوط. هو فاكر إنه لما يداري الحاجه باسم صاحبه أو يهددني بالطاعة إنه كسب.. هو ميعرفش أنا رتبت إيه." نزلت في نفس اليوم للمحامي بتاعي، الأستاذ رأفت، راجل عجوز ومخضرم في قضايا الأحوال الشخصية. لما حكيت له على المكالمة، ابتسم وسند ضهره لورا وقال: "أحمد ده بيلعب في الوقت الضايع يا مدام. أولاً: قصة الطاعة دي مبقتش تاكل عيش، خصوصاً إننا معانا تقرير طبي من المستشفى بتاريخ الحادثة يثبت إنك كنتِ مصابة بسببه وفي بيته، ومعانا ورقة الطلاق الغيابي اللي هو عملها بتاريخ بعد الحادثة بيومين! يعني هو اللي طلق غيابي ومن غير رغبتك، ف مفيش حاجة اسمها طاعة أصلاً لست مطلقة غيابي! هو هبل؟" ضحكت لأول مرة من قلبي، والمحامي كمل: "ثانياً بقى.. بخصوص القايمة والحاجة اللي نقلها في التجمع؛ البواب (عم محمد) شهد معاكي في المحضر؟" قولتله: "لأ، هو قالي الكلام ده بيني وبينه وخايف من المشاكل." المحامي قال: "هاتيهولي.. الراجل ده لو شهد في النيابة إن أحمد نقل العفش بالليل سرا وفي عربيات نص نقل بعد الحادثة مباشرة، دي لوحدها هتقلب القضية من نزاع مدني لـ (جنحة تبديد منقولات زوجية)، وفيها حبس وجوبي، وصاحبه اللي الشقة باسمه هيدخل في القضية بتهمة التستر وإخفاء مسروقات!" خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجلي بثقة. روحت لعم محمد البواب في عمارتنا القديمة. الراجل أول ما شافني وشاف وشي، بكي من الفرحة وقال: "سبحان العاطي الوهاب! يا ست مدام وشك رجع زي البدر.. والله أنا كنت حزين عليكي." قعدت معاه وقولتله: "عم محمد.. أنا محتاجة شهادتك في النيابة. أحمد عاوز يضيع حقي ويقول إني مخدتش شقايا، وأنت شوفتهم وهم بيلموا العفش بالليل في الكراتين." الراجل اتردد وقال: "يا ست هانم أنا غلبان وأكل عيشي هنا، وخايف يئذوني." قولتله وأنا بطلع مبلغ مالي وبحطه في إيده: "ده حق مشوارك وتعبك، والشهادة لله يا عم محمد.. ربنا هيجازيك خير، وأحمد خلاص ملوش كلمة هنا ولا حد هيقدر يئذيك، المحامي بتاعي هيبقى معاك خطوة بخطوة." الراجل بص للفلوس وبص لوشي وقال بقلب جامد: "وشهد الله يا بنتي، أنا هقول الحق.. الواد ده وأهله ميتأمنوش، وأنا هروح معاكي لحد باب النيابة." بعدها بيومين، كان أحمد وقاعد في شقته الجديدة في التجمع مع أمه وأخته، فاكرين إنهم رعبوني بمكالمة التليفون، وإن الموضوع انتهى. وفجأة، جرس الباب رن بقوة. أخته نهى راحت تفتح وهي بتأفف، وأول ما فتحت لقت اتنين مخبرين بملابس مدنية ومعاهم أمين شرطة، ومعاهم ورقة رسمية. أمين الشرطة قال بصوت جهوري: "أحمد (...) موجود هنا؟" أحمد خرج يجري من جوه ووشه أصفر: "أيوة أنا.. في إيه؟" أمين الشرطة طلع الكلبشات وقال: "مطلوب القبض عليك وإحضارك في جنحة تبديد منقولات، ومعانا إذن بنفتيش الشقة دي بناءً على شهادة الشهود وإثبات الحالة!" حماتي خرجت تصوت وتلطم: "يا مصيبتي! تفتيش إيه وقبض إيه؟ الشقة دي مش باسمه!" أمين الشرطة زقها بالراحة وقال: "والمنقولات اللي جوة دي مش بتاعة ابنك برضه؟ دي قايمة الست مدام طليقته، والشهود أكدوا إنها اتنقلت هنا.. اتفضل معانا يا أستاذ من غير شوشرة." في نفس اللحظة، كنت واقفة تحت العمارة جوة عربية المحامي، وباصة عليهم وهم نازلين بيه والكلبشات في إيده، وأمه وأخته بيجروا وراه في الشارع وهم بيصوتوا والناس بتتفرج عليهم. أحمد عينه جت في عيني وأنا قاعدة في العربية.. بصيت له بنظرة برود تامة، ورفعت راسي لفوق. المعركة لسه في أولها، وأحمد دخل الفخ برجليه.. والتحقيق في النيابة الصبح هو اللي هيحدد هيروح لفين.