مراتى الاوله حكايات امانى السيد 2
حصرى لمنصه جولد والمحتوى ممنوع النسخ

فجأة، وسط الضحك والدلع المبالغ فيه، مرام سكتت وبصت لمهره بنظرة كلها لؤم، وقالت بصوت عالي وهي بتطبطب على كتفي: “صحيح يا حبيبي، بما إن البيت اتنظف وبقى زي الفل، ما تقوم يا مهره تعملي كوباية عصير فريش تروّق عليا بعد التعب ده؟”
الكلام نزل زي السكينة، المطبخ كان في آخر الصالة، ومهره عشان تقوم كانت لازم تعدي من قدامنا وهي شايفة مرام قاعدة على رجلي.
مهره حركة كتافها اللي كانت بتهتز وقفت. رفعت راسها براحة، عينيها كانت حمرا والدموع مغرقة وشها، بس المرة دي مكنش فيه في عينيها انكسار وبس.. كان فيه نظرة تانية غريبة، نظرة تائهة وكأنها بتسألني: “أنا عملت لك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟”
حسيت بقرصة في قلبي لما عيني جت في عينيها، بس غروري منعني أتراجع. وبدل ما أقول لمرام كفاية، بصيت لمهره وقلت بنبرة ناشفة: “ما تقومي يا مهره.. اسمعي كلام مرام وشوفيها عايزة عصير إيه واعمليه”.
وقفت مهره ببطء شديد، كأنها بتجر جبال وراها. لمّت القماش اللي في إيدها وحطته على الكنبة، ومشت خطوات معدودة لحد ما بقت قصادنا بالظبط. في اللحظة دي، مرام اتعمدت تفرك في شعري وتضحك بدلع مستفز. مهره غمضت عينيها لثانية، وبلعت غصتها، وعدت من قدامنا وراحت على المطبخ من غير ما تنطق بحرف واحد.
أول ما دخلت المطبخ وسور الحيطة داراها، سمعت صوت حاجة اتكسرت في المطبخ، مكنش صوت كباية.. كان صوت روحها اللي اتهانت لآخر درجة، وأنا قاعد مكاني، الخاتم لسه في صباعي، بس السجن اللي بنيته حولين منها بدأ خناقه يضيق عليا أنا كمان.
صوت الحاجة اللي اتكسرت جوة المطبخ خلّى مرام تتخض وتعدل قعدتها، وقالت بغل وبصوت عالي عشان تسمعها: “جرى إيه يا اختي؟ مش تاخدي بالك ولا هي كاسة العصير هتنزل من قرصتك؟”
أنا في اللحظة دي مكنتش سامع مرام ولا مركز معاها، الصوت ده رجّعني لفوق، كأنه فوقني من سكرة الغرور اللي كنت فيها. نزلت مرام من على رجلي ووقفت، وقلت لها بنبرة متوترة: “خليكي هنا، هشوف في إيه”.
دخلت المطبخ ولقيت مهره واقفة مصلوبة في مكانها، وإيديها بتنزف دم؛ الكوباية الإزاز اتكسرت في إيدها وهي بتضغط عليها بكل عزمها من كتر الكبت، والدم كان نازل يختلط بمية العصير على الرخام. المنظر خبط في صدري بقوة، ولقيت نفسي من غير وعي بقرب منها وبمد إيدي عشان أشوف الجرح وأنا بقول بخضة: “مهره! إيه اللي عملتيه في نفسك ده؟”
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في الدم.. الصدمة كانت في رد فعلها.
مهره لأول مرة من شهور طويلة سحبت إيدها مني بسرعة وقوة، وبصتلي وعينيها جاحظة، مكنش فيه دموع خلاص، كان فيه حالة من الذهول والجمود المرعب. بصت لإيدها اللي بتنزف وبصتلي، وقالت بصوت هادي، هادي لدرجة تخوّف: .. سيبني أنظف الإزاز عشان الست مرام متتأذاش وهي داخلة”.
البرود اللي في صوتها، والطريقة اللي سحبت بيها إيدها حسستني فجأة إن الخاتم اللي كنت فاكر إنه محبوس في صباعي ومش هيطلع أبدًا، بدأ يوسع، وبدأ يهرب من إيدي.. حسيت للحظة إن السكوت اللي كنت مطمن له، وراه عاصفة لو قامت مش هتبقي على أي حاجة.
زعقت فيها بعصبية، كنت بحاول أداري الخضة والذنب اللي حسيت بيهم ورا نبرة حادة وجافة. قلت لها وأنا بقرّب وبحاول أمسك إيدها تاني بالعافية: “وإيه المشكلة يعني لما أمسك إيدك وأشوف الجرح؟ إنتي لسه مراتي على فكرة! ولا إنتي خلاص عجبك الوضع وحبيتي دور الخدامة وعايزة تعيشي فيه؟”
سألتها السؤال ده وأنا مستني نفس الرد بتاع كل مرة، مستنيها توطي راسها وتقول الكلمتين اللي بيطمنوا غروري. بس مهره المرة دي متحركتش من مكانها، ولا حتى ركبتها اتهزت.
بصت لإيدها اللي بتنزف بنظرة باردة، وبعدين رفعت عينيها في عيني بكل جمود، وقالت بصوت نبرته خالية من أي مشاعر، كأنها بتتكلم عن حد تاني خالص: “أنا مبقتش أعتبر نفسي مراتك يا رمزى من يوم ما دخلت عليا بالخبر.. ومن يوم ما شلتها قدام عيني ودخلت بيها.”
الكلام نزل عليا زي المية الساقعة، وقفت مذهول مش عارف أرد، وهي كملت كلامها بنفس البرود المرعب: “أنا فعلاً بقيت اعتبر نفسي خدامة هنا.. خدامة بمرتب، لقمة وسقف بيت، بس لحد ما أظبط أموري. لحد ما الجرح اللي جوة يلم، ولحد ما رجلي تشيلني وأعرف أنا هروح فين وهعمل إيه. ساعتها بس، الخاتم اللي أنت فاكر إنه في صباعك ومش هيطلع.. هتلاقيه اتكسر ومبقاش ليه وجود.”
سابتني واقف في المطبخ مشلول، مش قادر أستوعب إن السجن اللي بنيته حولين منها مكنش سجن أبدي، وإن السكوت اللي كنت مستقوي بيه مكنش قلة حيلة.. ده كان عد تنازلي ليوم مش هشوفها فيه تاني.
خرجت من المطبخ وأنا مش شايف قدامي، كلماتها كانت بتلف في دماغي زي الإعصار، بتهد كل اليقين اللي عشت فيه الشهور اللي فاتت. الخاتم اللي في صباعي طلع مش مضمون، والحيطة اللي كنت فاكر إنها سانداها طلعت مجرد محطة لحد ما تمشي.
لقيت مرام قاعدة مستنياني برة، حاطة رجل على رجل وبتبصلي بفضول وقالت بضحكة مستفزة: “إيه يا حبيبي، غيبت جوة ليه؟ وعصير إيه ده اللي بياخد كل الوقت ده؟”
بصيت لها وحسيت لأول مرة بـتقل في صدري، الدلع والضحك اللي كانوا بسطني من شوية بقوا باهتين وملهمش طعم. قلت لها بنبرة ناشفة ومخنوقة: “مفيش عصير.. الكوباية اتكسرت في إيدها والإزاز عورها”.
مرام لوّت بوزها وقالت ببرود: “يا حبت عيني! طب ما تخلص وتلم الإزاز ده عشان متعطلناش، والمرة الجاية تاخد بالها وهي شغالـ…”
“بس بقى! مش عايز أسمع صوت!”
زعقت فيها فجأة بصوت هز الصالة، مرام اتخضت وبرقت عينيها ومكنتش مصدقة إني بكلمها بالطريقة دي بعد كل الدلع بتاع من شوية. سيبتها واقفة مذهولة ودخلت أوضتي وقفت ورا الباب وأنا بنهج.
كنت بسمع صوت حركة مهره الخفيفة في المطبخ وهي بتلم الإزاز المكسور وبتنظف مكان الدم.. في سكات، بنفس الجمود والآلية. لأول مرة أحس إن البيت ده مابقاش بيتي، وإن السيطرة اللي كنت بتباهى بيها ومستقوي بيها على غلبها، اتفتت بمجرد ما هي قررت من جواها إنها متبقاش مراتي.
أنا اللي بقيت مسجون في مكاني، مستني اليوم اللي تظبط فيه أمورها وتفتح الباب وتمشي، وتسيبني مع الندم.
