ابن سلفى حكايات رومانى مكرم 3

رفض حسام بشدة، لكن الضابط أومأ برأسه بعد تفكير وقال:

— “هتلبس واقي رصاص، وهتكون تحت حمايتنا خطوة بخطوة.. ده أسلم حل عشان ننهي الكابوس ده من غير خسائر.”

وصلت قوات الشرطة إلى أطراف البلدة حيث يقع المخزن القديم المهجور. تحركت القوة بسكون تالع، واتخذ الجنود مواقعهم خلف الجدران.

تقدم أمجد بخطوات واثقة وثابتة، تملأ قلبه شجاعة لم يعهدها من قبل، شجاعة استمدها من حق أخيه عمر وحضن أمه نهى. وقف في المساحة المفتوحة أمام باب المخزن، وصاح بصوت قوي زلزل السكون:

— “شريف عبد الرحمن!.. اخرج! أنا أمجد.. أنا لسه عايش! العربية بتاعتك ما موّتتنيش، وعمر أخويا قام بالسلامة.. اخرج وواجهني لو كنت فاكر نفسك راجل!”

فُتح باب المخزن الخشبي ببطء، وخرج شريف والشرر يتطاير من عينيه، وبيده طبنجة يوجهها برعشة نحو أمجد. كان شعره أشعث وملابسه ممزقة، كأنه هيكل عظمي لجنون الطمع.

صاح شريف بصوت مبحوح:

— “إنت؟! لسه عايش؟! إنت إيه يا أخي؟! حرمتني من الفلوس وحرمتني من مراتي وضيعت مستقبلي.. بسببك هتدخل السجن!”

أمجد لم يتراجع خطوة واحدة، بل نظر إليه بنظرة شفقة وحكمة جعلت شريف يتلعثم. قال أمجد بهدوء يخترق الصدر:

— “السجن إنت اللي دخلت نفسك فيه من ١٦ سنة لما رميتني.. الفلوس مش هي اللي بتعمل البني آدم يا شريف، الأصول والرحمة هما اللي بيعملوه. أنا عشت ١٦ سنة مع راجل حماني وصانني وعلمني يعني إيه رجولة.. وإنت عشت ١٦ سنة بتجري ورا سراب ولما احتجتني جيت تسرقني.. ربنا ما بيظلمش حد، وإنت النهاردة بتدفع ثمن كل ليلة سيبتني فيها بعيط وأنا لحم دم.”

دموع الندم تجمعت في عين شريف للحظة، واهتزت يده الممسكة بالسلاح. نظر حوله فوجد فوهات البنادق تحاصره من كل اتجاه، ووجد نفسه وحيدًا.. بلا زوجة، بلا مال، وبلا ابن.

انحنى شريف على ركبتيه بضعف، وسقط السلاح من يده على الأرض وهو يبكي بنحيب مرير. جرى عليه رجال الشرطة وقاموا بتقييده بسرعة واقتياده إلى سيارة الترحيلات. قبل أن يركب، التفت إلى أمجد وقال بصوت مكسور:

— “سامحني يا بني..”

لكن أمجد أدار ظهره له وقال:

— “المسامح هو ربنا.. أنا ماليش أب غير حسام.”

بعد مرور ستة أشهر..

عادت البهجة والأنوار لتملأ بيت حسام ونهى. كان البيت يضج بالزغاريد والمهنئين بمناسبة نجاح عمر وأمجد في الثانوية العامة بتفوق كبير، ودخولهما معًا إلى كلية الهندسة.

عمر كان يجلس على مقعده، وقد تعافى تمامًا من إصابته بفضل رعاية أمه وأخيه. دخل أمجد الشقة وهو يحمل صينية الحلوى، فنظرت إليه نهى ودموع الفرحة في عينها وضمت الاثنين إلى صدرها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!