انا وجوزى ربينا ابن سلفى واعتبره ابننا بعد ما امه اتوفت وبعد 16سنه ابوها جاى عاوز ياخده أنا وسلفتي اتجوزنا في يوم واحد، وأنا خلفت قبلها بشهرين، وهي للأسف توفاها الله بعد الولادة بفترة قصيرة جدًا. ولأنها كانت يتيمة ومفيش حد يقف جنب ابنها، سلفي جابلي الطفل أرضّعه مع ابني، وقال وقتها إنه أول ما ظروفه تستقر هياخده يعيش معاه، خصوصًا إن حماتي كانت كبيرة في السن ومش هتقدر تربي طفل صغير. جوزها “حسام” فتح الباب، لقى أخوه واقف شايل طفل صغير ملفوف في بطانية زرقا، ووشه كله انهيار. قال بصوت متقطع: — “خدوه… بالله عليكم خدوه… أمجد مالوش غيركم.” نهى قلبها وقع. عرفت قبل ما يسألوا… إن “سمر” سلفتها ماتت. البيت كله اتقلب صريخ وبكا. حماتها وقعت على الأرض، وحسام حاول يسند أخوه اللي كان شبه الميت وهو شايل ابنه. الطفل الصغير كان بيعيط بحرقة، كأنه حاسس إن أمه راحت ومش راجعة. نهى قامت من غير تفكير، خدته من حضن أبوه، وضمتّه لصدرها جنب ابنها الرضيع. وفي اللحظة دي… الطفل سكت. الكل بص لها. وحسام قال بهدوء: — “يمكن ربنا بعتهولنا علشان مانسيبوش لوحده.” ومن الليلة دي… بقى في البيت طفلين بدل واحد. الأيام جريت بسرعة. نهى كانت تصحى بالليل ترضع ابنها “عمر” وترضع معاه “أمجد”. تغيّر لده… وتنوّم ده… وتحضن الاتنين بنفس الحب. لدرجة إنها ساعات كانت تنسى مين ابنها ومين ابن سلفتها. أما “شريف” أبو أمجد… فكان في الأول ييجي كل يوم تقريبًا. يقعد شوية، يبص لابنه من بعيد، ويعيط. لكن بعد شهور قليلة… كل حاجة اتغيرت. في يوم، دخل البيت ومعاه ست متبرجة بشكل ملفت، وقال لأمه: — “دي مراتي… كتبنا الكتاب.” البيت كله سكت. حماته بصتله بصدمة: — “مراتك؟! ولسه مراتك ماتت من كام شهر يا بني!” لكن شريف اتعصب: — “أنا مش هفضل لوحدي العمر كله.” ومن يومها… زي ما يكون باب الرحمة اتقفل في قلبه ناحية ابنه. مراته الجديدة “داليا” كانت كل ما تشوف أمجد تقول بضيق: — “هو الولد ده هيفضل مرمي عندكم كتير؟” ونهى كانت ترد ببرود: — “مرمي؟! ده ابن أخو جوزي.” لكنها من جواها كانت حاسة إن الست دي مش طايقة وجود الطفل أصلًا. بعد حوالي سنة، حماته تعبت جدًا. وفي يوم وهي قاعدة، قالت لشريف: — “يا ابني خد ابنك… أنا بموت بالبطيء ومرات أخوك عندها بيت وعيال.” لكن شريف رد وهو بيبص في موبايله: — “خليه معاهم دلوقتي لحد ما ظروفي تستقر.” داليا وقتها قالت بوضوح: — “وبعدين هو مرتاح معاهم أهو.” نهى افتكرت النظرة دي كويس… النظرة اللي فيها راحة غريبة من التخلص من الطفل. ومن بعدها… شريف اختفى بالتدريج. لا مصاريف. لا سؤال. لا حتى لعبة في عيد ميلاده. وفي مرة أمجد كان عنده حرارة شديدة، والدكتور طلب تحاليل وأدوية غالية. حسام اتصل بأخوه وقاله: — “ابنك تعبان ومحتاج فلوس.” شريف سكت ثواني وقال: — “والله مزنوق اليومين دول.” وقفل. نهى وقتها بصت لحسام وقالت بعين مليانة قهر: — “من النهاردة… أمجد ابني أنا.” السنين عدت. أمجد كبر وسط إخواته. دخل المدرسة مع عمر. يلعبوا سوا، يتخانقوا سوا، وحتى يستخبوا ورا نهى لما حسام يتعصب. وفي كل مرة حد يسأله: — “فين باباك؟” كان يجري على حسام ويحضنه: — “أهو!” الكلمة كانت تكسّر قلب نهى وتفرحها في نفس الوقت. حكايات رومانى مكرم أما شريف… فكان عامل نفسه ميت. حتى لما احتاجوا شهادة ميلاد أمجد علشان المدرسة، فضل حسام يلف وراه شهور. مرة يرد: — “بعدين.” ومرة: — “مشغول.” ومرة يقفل السكة أصلًا. لحد ما حسام انفجر فيه: — “إنت عايز الولد يضيع؟! لا بتربي ولا بتصرف ولا حتى بتسأل!” وساعتها، لأول مرة، شريف قال بجملة غريبة: — “اعملوا اللي إنتوا عايزينه.” الجملة خوفت نهى. حست إن الأب ده… متخلي عن ابنه تمامًا. وفعلًا، بعد مشاكل كتير، عمل تنازل رسمي وكفالة كاملة لحسام. ويومها حسام رجع البيت ماسك الورق، وبص لأمجد اللي كان بيلعب على الأرض وقال: — “خلاص… محدش هيعرف يضايقك تاني.” نهى افتكرت إن الكابوس انتهى. لكنها ماكنتش تعرف إن الكابوس الحقيقي… لسه ما ابتداش أصلًا. --- بعد 16 سنة… كان البيت مليان ضحك. أمجد بقى شاب طويل، في تالتة ثانوي، محبوب من الكل. ونهى كانت واقفة في المطبخ بتحضر الأكل وهو بيهزر معاها: — “يا ست الكل… أنا جعان!” ضحكت وقالت: — “إنت جعان على طول.” وفجأة… جرس الباب رن. حسام فتح الباب… واتجمد مكانه. وشه اتقلب فجأة. نهى خرجت من المطبخ وهي مستغربة: — “مين؟” لكنها أول ما شافته… الإيد اللي كانت شايلة الصينية اترعشت. #الكاتب_رومانى_مكرم شريف. واقف قدام الباب بعد غياب 16 سنة كاملة. لكن الصدمة الأكبر… إنه ماكانش لوحده. كانت داليا واقفة جنبه… وفي إيدها ملف محكمة ضخم. وشريف قال وهو بيبص جوه البيت: — “جاي آخد ابني.” دخل شريف وبخطوات ثقيلة واثقة كأنه لم يغب يومًا واحدًا، وتبعه عطر داليا النفاذ الذي ملأ الصالة بنبرة من التحدي. وقف حسام مذهولًا، يده ما زالت ممسكة بمقبض الباب، وعيناه تتنقلان بين أخيه وبين الملف الضخم الذي تحمله داليا بين يديها. خرج أمجد من غرفته على صوت الحركة الغريبة، وتوقفت ضحكاته تمامًا وهو ينظر إلى الرجل والمرأة الواقفين في منتصف الصالة. التفت أمجد إلى نهى وقال بنبرة قلقة: — "في إيه يا أمي؟ مين دول؟" كلمة "أمي" نزلت كالصاعقة على شريف، فتغيرت ملامحه للحظة، لكن داليا سرعان ما غمزت له بطرف عينها، فاستعاد بروده وقال بصوت عالٍ: — "أنا أبوك يا أمجد... شريف." نهى تحركت بسرعة البرق، وقفت بحس الأمومة أمام أمجد كأنها تحميه من خطر داهم، وقالت وصوتها يرتجف من الغضب: — "أبو مين؟ إنت صدقت نفسك؟ إنت سبت ابنك وهو لحم دم، جاي بعد ١٦ سنة تقول أنا أبوك؟ بأي عين وبأي حق؟!" داليا تقدمت خطوة للأمام، وفتحت الملف ورفعت ورقة في وجه حسام ونهى وقالت بابتسامة باردة: — "بالحق القانوني يا حبيبتي. التنازل اللي عملتوه زمان ده بليناه وشربنا ميته. شريف رفع قضية استرداد ولاية، والمحكمة حكمت له لأن أمجد لسه قاصر، والأب الشرعي ليه الأولوية، ومعانا حكم تنفيذ جبري لو لزم الأمر." انفجر حسام في وجه أخيه: — "حكم إيه وتنفيذ إيه يا شريف؟! إنت جنيت؟! الولد ما يعرفش حد غيرنا، أنا اللي ربيت وأنا اللي علمت وأنا اللي شيلت لما إنت رميته علشان ترضي مراتك! ودلوقتي جاي تاخده؟! ليه؟ علشان إيه بعد السنين دي كلها؟!" هنا بدت على وجه شريف علامات التردد، فنظرت إليه داليا بحدة ليقول ما اتفقا عليه، فتنحنح شريف وقال: — "الظروف اتغيرت... ربنا ما رزقنيش بأولاد من داليا، وأمجد هو ابني الوحيد ووريثي. أنا محتاجه جنبي، ومن حقي أعيش مع ابني اللي اتحرمت منه." أمجد كان واقفًا خلف نهى، يرتعش كأنه طفل في الرابعة من عمره، وليس شابًا في الثانوية العامة. كان ينظر إلى حسام، الأب الوحيد الذي عرفه، وإلى نهى التي أرضعته وحضنته. قال وصوته يرتجف: — "أنا مش هروح مع حد... بابا حسام وأمي نهى هما أهلي. أنا معرفكوش!" صاحت داليا بضيق: — "جرى إيه يا واد إنت؟! ده أبوك من صلبك، والعيشة اللي هتعيشها معاه في الفيلا والعز مش هتطولها هنا. اجهز علشان هتمشي معانا دلوقتي." حسام دفع شريف وداليا نحو الباب وقال بعصبية شديدة: — "برا! اخرجوا من بيتي! مفيش حد هياخد أمجد من هنا، وأعلى ما في خيلكم اركبوه. المحاكم بيننا!" شريف نظر إلى أخيه بنظرة غامضة، ثم نظر إلى أمجد وقال: — "هنمشي دلوقتي يا حسام... بس راجعين، ومعانا الشرطة لو اضطرينا. أمجد هيرجع لحضني غصب عن أي حد." أغلقت نهى الباب خلفهما بقوة، ووقعت على ركبتيها تبكي بحرقة، فالتف حولها عمر وأمجد، وكان أمجد يبكي ويهز كتفيها: — "والله ما هسيبك يا أمي... أنا ابنك إنتِ، مش ابن حد تاني." في المساء، كان البيت يعيش في حالة طوارئ. حسام اتصل بمحامٍ من أصدقائه، وجاء إلى البيت فورًا ليطلع على الأوراق التي تركت داليا صورة منها. المحامي هز رأسه بقلق وقال لحسام ونهى: — "الموضوع مش سهل يا حسام. التنازل العرفي أو الكفالة اللي تمت زمان ممكن شريف يطعن عليها، وبما إنه الأب الطبيعي ولم تسقط ولايته بحكم قضائي سابق، فالقانون في صفه بنسبة كبيرة، خصوصًا إن أمجد لسه ما كملش ١٨ سنة." نهى صرخت: — "يعني إيه؟! هياخدوا ابني مني بالقانون؟! ده متربي على إيدي، ده راضع مع عمر!" المحامي قال: — "فيه ثغرة واحدة... لازم نرفع قضية مستعجلة لإثبات إسقاط الولاية الأبوية بسبب الإهمال والترك طوال ١٦ سنة، ولازم نجمع شهود من المنطقة ومن المدرسة يثبتوا إن شريف ما صرفش ولا سأل طول السنين دي. بس ده هياخد وقت، وشريف معاه أمر تنفيذ." في اليوم التالي، كانت الصدمة الكبرى. بينما كان أمجد وعمر يستعدان للذهاب إلى مجموعات التقوية الخاصة بالثانوية العامة، فوجئ الجميع بقرع عنيف على الباب. فتح حسام ليرى شريف وداليا، ومعهما ضابط شرطة ومحضر من المحكمة. الضابط قال بهدوء: — "يا حاج حسام، احنا معانا أمر قضائي بتسليم القاصر أمجد شريف لوالده، ياريت بلاش مشاكل علشان الموضوع يمر بهدوء." نهى صرخت وضمّت أمجد إليها، وعمر وقف أمام الضابط يحاول منعه، بينما تراجع أمجد للخلف وهو يصرخ: — "مش هروح معاهم! بابا حسام الحقني!" حسام حاول التحدث مع الضابط: — "يا فندم الولد عنده امتحانات ثانوية عامة، مستقبله هيضيع، سيبوه يكمل السنة معانا." لكن داليا تدخلت بشماتة: — "هيكمل تعليمه في أحسن مدارس هناك، متقلقش عليه يا حنين." الضابط أشار للعساكر بالتقدم، ووسط صراخ نهى، وبكاء عمر، وعجز حسام الذي كادت تفيض روحه من القهر، سحبوا أمجد من وسطهم. كان أمجد يلتفت وراءه ودموعه تسيل كالمطر وهو يصرخ: — "يا أميييي! يا بابا!" حتى اختفى صوته في السلم. انغلق الباب، وتحول البيت الذي كان مليئًا بالضحك قبل ساعات إلى مأتم. نهى سقطت على الأرض مغشيًا عليها، وحسام جلس على الكرسي يضع رأسه بين يديه ويبكي لأول مرة في حياته بحرقة الرجال. مرت ثلاثة أيام كاملة، وأمجد مغلق عليه في غرفة في شقة شريف الفخمة. رفض تناول الطعام، ورفض التحدث مع شريف أو داليا. وفي الليلة الرابعة، بينما كان شريف وداليا نائمين، تسلل أمجد إلى الصالة وحاول فتح باب الشقة ليهرب ويعود إلى بيته الحقيقي... لكنه عندما وضع يده على المقبض، وجد الباب مغلقًا بالمفتاح من الخارج، وفجأة أُضيئت أنوار الصالة، وظهرت داليا واقفه أمامه وعينها تلمع بالشر وتقول: — "فاكر نفسك هتعرف تهرب وترجع لنهى وحسام؟ إنت مش هتحرك من هنا يا أمجد... وبكره هتعرف السر اللي خلانا نرجع ناخدك بعد ١٦ سنة!"