حكايات زهره الربيع 4

لفيت وشي وأنا منهار ودموعي مغرقة وشي وبصيت لمنى. منى كانت واقفة وشايلة ليلى على حجرها، ملامح الصدمة كانت على وشها. كنت خايف من رد فعلها.. خايف تقول لي “متجيبش سيرتها” أو “دي ذنوبها وربنا بيخلص منها”.
قربت منها وأنا برتعش وقلت بصوت ضايع: “منى.. أمي بتموت.. أنا لازم أسافر المحلة حالا.. مش هأخرك معايا، هسيبك هنا في الشقة مع البت، بس ادعي لها.. بالله عليكِ ادعي لها بالرحمة.”
منى بصتلي نظرة طويلة، مكنش فيها أي شماتة، بالعكس.. شفت في عينيها نظرة الست الأصيلة اللي بتبان وقت الشدة. حطت ليلى بالراحة على الكنبة، وقامت وقفت قدامي، وحطت إيدها على كتفي وقالت بحسم وقوة:
“أنت بتقول إيه يا طارق؟ أسيبك تسافر لوحدك في الظرف ده؟ أمك تعبت وغلطت في حقي اه، بس هي في الأول والآخر الست اللي كبرتك وعملت منك الراجل اللي أنا واقفة معاه دلوقتي.. والرسول وصى على الأم تلات مرات. أنا هلبس وهلم هدوم ليلى، وهنسافر معاك المحلة حالا.”
مبقتش مصدق وداني.. منى؟ منى اللي انضربت واتهانت من أمي، هي اللي بتقول نسافر حالا؟ بوست راسها وأنا ببكي: “ربنا يخليكِ ليا يا بنت الأصول.. عمري ما هنسالك الموقف ده طول ما أنا عايش.”
في ظرف نص ساعة، كنا في العربية، وطايرين على طريق المحلة. الطريق كله كان عبارة عن كابوس، وأنا سايق وببكي وبدعي: “يارب ألحقها.. يارب متموتش وهي زعلانة مني.. يارب متموتش وحاسة إنها لوحدها.” ومنى كانت قاعدة جنبي، ماسكة إيدي وبتهديني، وبتقرأ قرآن بصوت واطي يطمن القلب، وليلى نايمة في الكرسي الوراني مش دارية بالدنيا.
وصلنا مستشفى المحلة العام على الفجر. جريت على قسم العناية المركزة وأنا بنهج، لقيت خيلاني وقرايبنا في البلد واقفين بره الممر، ووجوههم كلها حزن. أول ما خالي شافني، حضني وبكى: “ألحق أمك يا طارق.. الدكاترة بيقولوا الغيبوبة بتزيد، والجلطة أثرت على مراكز الحيوية في الجسم، ومسألة وقت.”
دخلت العناية بعد ما الدكتور سمحلي لدقايق.. منى أصرت تدخل معايا وشايلة ليلى.
أول ما شفت أمي على السرير.. انكسر قلبي ميت حتة. فين الحاجة فاطمة القوية؟ فين الست اللي كانت بتمشي في البيت تملأه حركة وزعيق؟ كانت نايمة، حتة جلد على عظم، وشها شاحب، والأجهزة موصلة بكل حتة في جسمها، وصوت جهاز ضربات القلب بيعد تنازلي ببطء رعب.
ركعت جنب السرير وبست إيدها اللي كانت دافية بالراحة، وبقيت أصرخ بصوت مكتوم: “أمي.. أنا طارق يا أمي.. قومي عشان خاطري.. أنا جيت وجبتلك ليلى وجبتلك منى.. سامحيني يا أمي إني بعدت عنك.. سامحيني إني سبتك لوحدك!”
