ليله العرس 3 اسما

الفصل الأخير
بعد ما الأطفال ناموا…
البيت أخيرًا هدي.
الخيمة اللي عملناها من البطاطين كانت واقعة نص وقعة في نص أوضة الأطفال، وعمر نايم جواها وهو حاضن كشاف صغير، وآدم نايم بالعكس فوق السرير ورجله على المخدة، وليلى في سريرها الأبيض الصغير بتطلع صوت النفس الهادي اللي يخلي أي بيت يحس بالأمان.
وقفت عند باب الأوضة أبصلهم.
وإحساس غريب ضربني فجأة.
الخوف.
مش خوف من الفلوس. ولا الشغل. ولا الخيانة.
الخوف من إن كل ده يضيع.
ياسمين خرجت من الحمام وهي لابسة بيجامة قطنية بسيطة وشعرها مبلول، ولمحتني واقف.
ابتسمت: ــ واقف تبص لهم كأنك حارس أمن.
ضحكت بهدوء: ــ يمكن.
قربت مني، وأسندت راسها على كتفي.
ــ مالك؟
سكت شوية.
ثم قلت: ــ عمري ما تخيلت إن الهدوء ممكن يخوف.
رفعت عينيها ليا: ــ ليه؟
تنهدت ببطء: ــ لأن الواحد لما يعيش طول عمره مستني المصيبة… بيستغرب لما يوم يعدّي من غير حرب.
الحقيقة خرجت مني تلقائي.
ياسمين فهمت فورًا.
هي دايمًا بتفهمني من أقل كلمة.
مسكت إيدي. ثم قالت: ــ الحرب خلصت يا أدهم.
لكن جزء جوايا ماكانش مصدق.
لأن الحرب مع عيلتي ما انتهتش بسهولة.
بعد الفرح بشهرين، كريم حاول يرفع ق*ضية يطالب فيها بحقوق “الصندوق العائلي”. ولما فشل… بدأ ينشر كلام وسط رجال الأعمال إن ياسمين سيطرت عليا.
نفس الأسلوب القديم.
بس المرة دي… ما نجحش.
لأن الفرق إن المرة دي أنا كنت صاحي.
ولأول مرة في حياتي… بطلت أحاول أرضي الناس اللي بتكسرني.
مشيت مع ياسمين ناحية البلكونة.
القاهرة كانت هادية بشكل نادر، والهوا بارد خفيف.
قالت وهي بتبص للنيل البعيد: ــ فاكر أول مرة قابلنا بعض؟
ضحكت.
إزاي أنسى؟
كانت داخلة شركة المقاولات بتاعتي بعصبية، ماسكة رول رسومات هندسية أكبر منها تقريبًا، وبتتخانق مع موظف الاستقبال لأنه رافض يدخلها من غير ميعاد.
“أنا جاية أصلّح المصيبة اللي مهندسكم عملها في تصميم الفندق.”
ده كان أول شيء سمعته منها.
ولأول مرة في حياتي… بدل ما أتضايق إن حد بيتكلم معايا بالطريقة دي، ضحكت.
لأنها كانت حقيقية.
ماكانتش خايفة مني. ولا مبهورة باسمي. ولا بتحاول تكسب حاجة.
ولما اكتشفت بعدها إن المصيبة فعلًا من عندنا… هي اللي أنقذت المشروع.
لكن اللي أنقذتني أنا… كان بعد كده بكتير.
ياسمين ضحكت وهي فاكرة: ــ كنت مستفز جدًا.
ــ وأنا؟ إنتِ دخلتي مكتبي كأنك جاية تحتلّي شركة.
ــ علشان كنت مغرور.
قربت منها: ــ ولسه.
ضحكت وهي تزقني بخفة.
ثم سكتت فجأة.
الإبتسامة خفتت من على وشها.
عرفت النظرة دي.
فيه حاجة شاغلاها.
قلت بهدوء: ــ في إيه؟
بصت بعيد شوية. ثم قالت: ــ نادين بعتتلي النهارده.
جسمي اتشد فورًا.
ــ عايزة إيه؟
ــ شافت صورة ليلى على إنستجرام… وبتقول إنها عايزة تشوفكم.
الصمت نزل بينا تقيل.
آخر مرة شفت نادين كانت يوم المواجهة في الفندق. بعدها اختفت تقريبًا.
عرفت إنها باعت شقتها. وإن كريم وحسام دخلوا في مشاكل مالية كبيرة. وإن علاقتهم ببعض نفسها بقت سيئة.
لكنني ما حاولتش أدور.
يمكن جزء مني كان جبان.
لأن مواجهة الغريب أسهل من مواجهة الخذلان.
قلت ببرود: ــ لا.
ياسمين بصتلي.
ــ أدهم…
ــ لا يا ياسمين.
صوتي خرج أقسى مما كنت أقصد.
تنهدت: ــ أنا مش بقول لازم تسامحها… بس هي أختك.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرحة: ــ أختي اللي كانت مستعدة تخدرِك ليلة فرحي.
سكتت.
لأنها ماعندهاش رد على دي.
أنا نفسي ماكانش عندي رد.
بعد شوية قالت بهدوء: ــ إنت مش زعلان منهم بس علشان الفلوس… صح؟
بصيت لها.
ثم اعترفت أخيرًا: ــ أنا زعلان لأنهم خلوني أبقى نسخة وحشة من نفسي.
الجملة دي كانت الحقيقة.
أنا مش بس خسرت ريم. ولا سنين مع ولادي.
أنا خسرت نفسي.
بقيت راجل شكاك. عصبي. عايش طول الوقت تحت ضغط إنه لازم ينقذ الكل.
وفي المقابل… ولا حد أنقذني.
ياسمين قربت مني، وحطت إيديها على وشي.
ــ بصلي.
بصيت.
قالت بهدوء: ــ إنت مش الراجل ده دلوقتي.
همست: ــ أوقات بحس إني لسه.
ابتسمت بحزن صغير: ــ كلنا جوانا نسخ قديمة بتخوفنا… بس ده ما يمنعش إننا نتغير.
ثم حضنتني.
والحضن ده… كان بيعمل حاجة غريبة جوايا كل مرة.
كان بيهدّي الصوت القديم.
صوت الخوف.
…
بعد أسبوع…
كنت في الشركة لما السكرتيرة دخلت بتوتر: ــ أستاذ أدهم… في حد بره مصر يشوف حضرتك.
رفعت عيني من اللاب توب بضيق: ــ مين؟
ترددت. ثم قالت: ــ أخت حضرتك.
اتجمدت.
نزلت إيدي ببطء على المكتب.
وجزء جوايا كان عايز يقول: “قوليلها تمشي.”
لكن بدل كده… قلت: ــ دخليها.
نادين دخلت ببطء.
واتصدمت.
أختي اللي كانت دايمًا مهتمة بشكلها، شعرها مرتب، ولبسها شيك… كانت مرهقة بشكل واضح.
أضعف. وشاحبة.
وقفت قدامي ثواني مش عارفة تبدأ منين.
ثم قالت: ــ إزيك؟
ما رديتش.
الإحراج ملأ المكان.
قعدت قدامي وهي بتعصر شنطتها بإيديها.
ثم قالت بصوت مكسور: ــ كريم سابنا.
عقدت حاجبي.
ــ سابكم؟
ضحكت بمرارة: ــ بعد ما الفلوس خلصت… اختفى.
طبعًا.
كريم طول عمره أول واحد يجري وقت الغرق.
نادين بلعت ريقها: ــ حسام عليه قضايا… وأنا بشتغل دلوقتي في مركز دروس أطفال علشان أعرف أدفع إيجار الشقة.
المفروض أفرح.
المفروض أقول: “تستاهلوا.”
لكن الغريب؟ ماحستش بشماتة.
بس تعب.
قالت وهي تبكي: ــ أنا عارفة إنك كرهتني.
همست: ــ أيوه.
الصدق صدمها.
دموعها نزلت أكتر.
ــ أنا استاهل.
سكتت شوية. ثم قالت: ــ بس والله يا أدهم… أنا كنت خايفة منك أكتر ما كنت بخونك.
استوعبت كلامها ببطء.
ــ يعني إيه؟
رفعت عينيها الحمرا: ــ كريم كان دايمًا يقول إنك لو بطلت تصرف علينا… هنترمي في الشارع. كان مخلينا نحس إن رضاك هو النجاة الوحيدة.
ضحكت بمرارة.
حتى وهم بيستغلوني… كانوا شايفين نفسهم ضحايا.
نادين كملت: ــ وأنا كنت جبانة. كنت بخاف أخسر الأمان اللي إنت عاملهولنا… لدرجة إني سكت لما بدأوا يلعبوا في دماغك ضد ريم.
نفسي بقى تقيل.
ثم قالت: ــ أول مرة شوفتك يوم الفرح… وإنت واقف تدافع عن ياسمين… عرفت إننا خسرناك خلاص.
الصمت طال.
ثم طلعت من شنطتها ظرف قديم.
حطيته قدامي.
اتعرفت عليه فورًا.
الظرف الأبيض بتاع ياسمين.
قالت: ــ أنا احتفظت بيه… علشان أفتكر أنا وصلت لإيه.
فتحته ببطء.
جواه الورقة اللي كانت ناوية تبعتها لياسمين ليلة الفرح.
“لو بتحبيه بجد… اهربي قبل ما يدفنك معاهم.”
قفلت عيني.
نادين بدأت تبكي: ــ كنت بحاول أحذّرها… وفي نفس الوقت بأشاركهم. حتى أنا مش فاهمة كنت إيه وقتها.
بصيت لأختي طويلًا.
ولأول مرة… شفت إنها كانت ضعيفة طول عمرها. مش شريرة.
وده ما يمحيش اللي عملته.
لكن بيفسره.
قلت بهدوء: ــ أنا مش هعرف أنسى.
هزت راسها بسرعة: ــ عارفة.
ــ ومش هعرف أرجع زي زمان.
دموعها نزلت أكتر: ــ عارفة.
سكت. ثم سألت: ــ بس ممكن… مع الوقت… تسامحني؟
السؤال وجعني أكثر من أي شيء.
لأن الحقيقة؟ جزء مني كان نفسه يسمع كلمة “لا.”
لكن ياسمين كانت عندها حق.
الكره الطويل بيتعب صاحبه.
تنفست ببطء.
ثم قلت: ــ معرفش.
لكن نادين بكت كأنها أخذت أملًا كاملًا.
…
في الليل…
حكيت لياسمين كل حاجة.
كانت قاعدة على الكنبة، وليلى نايمة على صدرها.
ابتسمت بهدوء لما خلصت.
ــ إيه؟
قالت: ــ فخورة بيك.
ضحكت: ــ علشان ماطردتهاش؟
ــ لا… علشان أخيرًا بطلت تحاول تكون منقذ لكل الناس.
الجملة دي وقفتني.
لأنها صح.
أنا طول عمري كنت فاكر إن الحب يعني تشيل الناس فوق ضهرك حتى لو كسروه.
لكن ياسمين علمتني حاجة مختلفة.
إن الحب الحقيقي… لازم يسيبلك نفسك.
قربت من ليلى الصغيرة، وبوست راسها.
همست: ــ خايف عليها.
ياسمين ضحكت بخفة: ــ من إيه؟
ــ من الناس.
بصتلي طويلًا.
ثم قالت: ــ يبقى نربيها تعرف قيمتها… علشان محدش يقدر يقنعها إنها أقل.
الكلام دخل قلبي بهدوء.
وفجأة… افتكرت ريم.
كل السنين اللي خلتها تشك في نفسها. كل مرة سكتّ فيها وأنا شايف إخواتي بيلعبوا بعقلها. كل مرة اخترت الراحة بدل المواجهة.
طلعت موبايلي.
وبعتلها رسالة واحدة:
“أنا أخيرًا فهمت.”
بعد دقيقة… وصل الرد.
“متأخر… بس أحسن من أبدًا.”
ابتسمت رغم الدموع اللي لمعت في عيني.
…
بعد ثلاث سنين…
البيت كان مليان دوشة كعادته.
عمر وآدم بيتخانقوا على البلايستيشن. ليلى بتجري في الطرقة بفستان مدرسة الباليه. وياسمين واقفة في المطبخ بتعمل قهوة وهي بتزعق: ــ اللي هيسيّب جوربه في الصالة تاني هقطعهوله!
ضحكت بصوت عالي.
الحياة بقت عادية.
ويمكن دي أعظم معجزة.
العادية.
بعد كل الخراب… بقى عندي بيت فيه أمان. فيه ضحك. فيه حب مش محتاج خوف علشان يعيش.
وقفت في نص الصالة أبص لهم.
ثم فجأة حسيت بإيد صغيرة تمسك صباعي.
ليلى.
رفعت عينيها الكبيرة ليا وقالت: ــ بابا؟
ــ نعم يا قلب بابا؟
ابتسمت: ــ هو إنت بتحب ماما قد إيه؟
ضحكت.
وبصيت لياسمين.
كانت واقفة وسط النور الدافي بتاع المطبخ، شعرها مربوط بعشوائية، وعلى خدها نقطة دقيق، ووشها مرهق من يوم طويل…
ومع ذلك؟ كانت أجمل شيء شفته في حياتي.
قلت بهدوء: ــ قد البيت ده كله.
ليلى فكرت شوية. ثم قالت بمنتهى الجدية: ــ ده حب كتير أوي.
حضنتها وأنا أضحك.
وأنا ببص لياسمين… فهمت أخيرًا إن النجاة مش إنك تلاقي ناس ما يجرحوش.
النجاة الحقيقية… إنك تلاقي حد يساعدك ترجع نفسك بعد ما الدنيا تكسرها.
تمت
