حكايات زهره الربيع 4

لحد ما جه يوم.. ليلى كملت فيه أول سنة من عمرها.
عملنا حفلة عيد ميلاد صغيرة في بيت حماتي، اقتصرت عليا وعلى حماتي وخالها، ومنى.. البنت كانت زي الملاك، بتتحرك وتمشي خطوتين وتقع، ولابسة فستان منفوش. وأنا واقف بصورها بالموبايل، لقيت منى قربت مني، كانت واقفة جنبي وريحتها اللي وحشتني مالت الأوضة.
بصت لـ ليلى وقالت بصوت واطي:
“ليلى بقى عندها سنة يا طارق.. وبقت بتفهم.. وبتناديك ‘بابا’ لما بتشوف صورتك.”
لفيت وشي ليها وقلبي بيدق زي الطبل: “منى.. أنا بقالي سنة كاملة عايش في شقة كبيرة لوحدي.. مفيهاش غير روحك وروح بنتك.. أنا اتعلمت الدرس ودفعت تمنه من دمي وأعصابي.. مش حان الوقت نرجع ليلى لـ بيتها؟”
منى بصت في عيني طويلة.. نظرة مكنش فيها التلج بتاع زمان، كان فيها لمعة دافية، سكتت للحظة وطلعت من جيبها مفتاح.. حطته في إيدي وقالت:
“ده مفتاح شقة التجمع اللي أنت ادهولي في المستشفى.. أنا روحت هناك الأسبوع اللي فات مع ماما، وفرشت الأوضة الباقية لـ ليلى، ونظفت الشقة.. إحنا هنرجع يا طارق.. بس هنرجع بـ شروط جديدة، وبـ كتاب مفتوح.. مفيش فيه سر، ومفيش فيه حد له كلمة علينا.. موافق؟”
بست إيدها قدام خالها وحماتي وأنا مش مصدق نفسي من الفرحة، ودموعي نزلت.. “موافق يا منى.. موافق على أي حاجة.”
بعد أسبوع، كنا بننقل الهدوم لشقتنا الجديدة.. الشقة كانت منورة بوجودهم. رجعنا سوا، وبدأنا صفحة جديدة خالص.. بس الدنيا مابتسيبش حد في حاله، وفي أول ليلة لينا في الشقة الجديدة، وإحنا قاعدين بنتعشى وبنضحك مع ليلى، الباب خبط بقوة وفزع.
جريت فتحت الباب.. لقيت جاري من البلد واقف، وشه أصفر وبيعرق، وأول ما شافني مسك فيا وهو بيترعش وقال بصوت مرعوب:
“ألحق يا طارق! الحاجة فاطمة أمك.. جالها جلطة مفاجئة في المخ وهي لوحدها في البيت، والبلد كلها مقلوبة عليها ونقلوها مستشفى المحلة العام، والدكاترة بيقولوا أيامها معدودة ولازم تيجي حالاً!”
حسيت إن الدنيا اسودت في وشي تاني.. لفت وجسمي بيترعش وبصيت لمنى اللي كانت واقفة ورايا وسامعة كل كلمة، وعينيها برقت بالصدمة..
الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة.. جلطة في المخ؟ وأيامها معدودة؟
بصيت لجاري وأنا مشلول، ورجلي مش شايلاني. أمي.. الحاجة فاطمة اللي شقيت عليا وعملت مني راجل، الست اللي رغم كل اللي عملته كانت دايماً شايفة إنها بتعمل الصح لمصلحتي.. بتموت لوحدها في البلد؟ الندم أكل قلبي في ثانية؛ لأن السنتين اللي فاتوا كنت ملهي في تصليح بيتي ورضا مراتي، ومكنتش بروح لها البلد غير خطف، وهي كانت دايماً بتكلمني بصوت مكسور وتقولي: “تعال يا طارق نفسي أشوفك”، وأنا أقولها: “الشغل يا أمي وأقساط الشقة”.
