حكايات زهره الربيع 4

في اللحظة دي، حصلت معجزة.. جهاز ضربات القلب بدأ صوته يتسارع شوية، وعين أمي بدأت تتحرك ببطء تحت الجفون، ولأول مرة من يومين، فتحت عينيها براحة.. عين دبلانة وضايعة، لفت الأوضة لحد ما جت في عيني.. دمعة نزلت من طرف عينها، وحاولت تحرك شفايفها بس مكنش فيه صوت طالع.

منى قربت بالراحة، وحطت ليلى الصغيرة على السرير جنب إيد أمي. ليلى لمنت بإيدها الصغيرة على صوابع جدتها.. أمي حست بلمستها، وضغطت على إيد البنت بضعف شديد، وعينيها راحت لمنى.

منى وطت على أمي، وبست راسها وقالت بنبرة كلها حنان وتسامح حقيقي: “حمد الله على سلامتك يا حاجة فاطمة.. أنا مسمحاكي من كل قلبي.. والله مسمحاكي.. قومي بالسلامة عشان تشوفي ليلى وهي بتكبر.. إحنا ملناش بركة غيرك.”

أمي شفايفها اتحركت بجهد رهيب، وطلعت منها كلمة واحدة مسموعة ومبحوحة: “سـ.. سامـ.. سامحيني يا بنتي.. طارق.. أمانة.. في رقبتك.”

وفجأة.. صوت جهاز ضربات القلب عمل صفارة واحدة مستمرة وطويلة.. والضغط نزل للصفر.. وإيد أمي سابت إيد ليلى واترمت على السرير ببطء!

الدكاترة جريوا علينا وخرجونا بره الأوضة بسرعة، وأنا صرخت صرخة هزت أركان المستشفى كلها: “أمييييييييييي!”

خرجنا للممر وأنا منهار تماماً، منى كانت حاضناني وبتعيط معايا بحرقة، وخيلاني اتلموا علينا.. المحنة انتهت، وأمي سابت الدنيا.. بس سابتها وهي شايفة ابنه ومراته ايد واحدة، وسابتها وهي واخدة سماح بنت الأصول.

عدت أيام العزا في البلد.. أيام كانت تقيلة وصعبة، بس منى كانت واقفة في بيت أمي في البلد زي الوتد، بتستقبل الحريم، وتطبخ، وتواسي خالاتي، والبلد كلها كانت بتتكلم عن أدب وأصل مرات طارق.

بعد أسبوع، رجعنا شقتنا في التجمع.. الشقة كانت هادية، وأنا كنت قاعد في الصالة حاطط صورة أمي قدامي وببكي في صمت. منى دخلت عليا، قعدت جنبي وحطت راسها على كتفي وقالت: “ادعي لها يا طارق.. هي راحت لرب غفور رحيم.. وماتت وهي راضية عنك ومطمنة علينا.”

بصيت لمنى وقلت لها: “أنا لولا وجودك جنبي يا منى.. مكنتش هتحمل الصدمة دي.. أنتِ بجد نعمة ربنا ليا.”

الحياة بدأت ترجع لمجاريها بالتدريج.. الشغل، والبيت، وليلى اللي بدأت تكبر وتملأ الشقة شقاوة وضيق. بس زي ما بنقول دايماً.. الدنيا مابتسيبش حد مرتاح للاخر..

بعد شهرين من وفاة أمي، وأنا بقلب في هدمها القديمة اللي جيبناها من البلد عشان نوزعها لله، لقيت في جيب عبايتها السمرة اللي ماتت بيها.. علبة قطيفة قديمة ومقفولة بقفل صغير، ومعاها جواب مكتوب بخط يد أمي المكسر، وموجه لـ منى!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!