طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 4

وفجأة، انقطع صوت الصفير المستمر.
حلّ سكون غريب، تبعه صوت نبضات متقطعة.. ثم منتظمة. ركضت نحو الزجاج وأنا ألهث، ورأيت الطبيب يرفع يديه عن جهاز الصدمات ويتنفس الصعداء، ويمسح العرق عن جبينه وهو ينظر للممرضة قائلاً: “النبض رجع.. سبحان من يحيي العظام وهي رميم”.
انفجرت والدتها بالبكاء، وسقط أخوها محمود على الكرسي مغطياً وجهه، أما أنا، فاستندت على الجدار وشعرت بقدمي لا تقويان على حملي. كانت تلك اللحظة هي لحظة ولادتي الحقيقية؛ أدركت فيها أن الحياة والموت، الجمال والقبح، كلها بيد الله، وأننا لا نملك من أمر أنفسنا شيئاً لنتكبر به على خلقه.
مرت ثلاثة أسابيع أخرى.. بدأت فيها هيام تستعيد وعيها تدريجياً. تحسن نطقها وحركتها، وزالت الغيبوبة تماماً. وطوال تلك الفترة، لم أدخل غرفتها قط. كنت أعلم أن رؤيتي قد تزعجها أو تؤخر شفاءها، فكنت أكتفي بالبقاء في الممر، أشتري الأدوية، وأرتب مع الأطباء، وأخدم عائلتها من بعيد دون أن أفرض وجودي.
أخوها محمود بدأ يلاحظ هذا التغيير الصامت. وفي يوم خروجها من المستشفى، اقترب مني في الممر وسلم عليّ بحرارة لأول مرة، وقال بصوت خافت: “أنا شوفتك طول الأسابيع اللي فاتت يا أحمد.. وشوفت أنت عملت إيه. أنا مش هقدر أقولك سامحناك، لأن الجرح كان غويط، بس هقولك إنك بقيت راجل بجد في نظري. هيام عارفة إنك هنا.. وهي طالبة تشوفك قبل ما نمشي.”
دخلت الغرفة بقلب يرتجف، وخطوات بطيئة وخجولة. كانت تجلس على السرير، فستانها فضفاض، ورأسها ملفوف برباط طبي صغير، ووجهها يحمل ندوب الحادث بجانب بقع البهاق.. لكنها في عيني كانت تبدو كالقمر ليلة بدره؛ جمالاً لم تلمسه عيني من قبل، لأنه كان جمال الروح المنتصرة.
وقفت بعيداً، وأحنيت رأسي قاصداً: “الحمد لله على سلامتك يا هيام.. أنا بس جيت عشان أسمع أمرك، ومستعد لتنفيذ أي حاجة تطلبيها.”
نظرت إليّ طويلاً بنظرات صافية، خالية من الغضب وخالية أيضاً من العاطفة القديمة، وقالت بصوت هادئ: “أنا سحبت القضية يا أحمد.”
نظرت إليها بذهول: “ليه؟ ده حقك!”
تابعت بهدوء: “سحبتها لأن الحادثة دي خلتني أشوف إن العمر أصغر بكتير من إننا نقضيه في المحاكم والانتقام. وسحبتها لأن محمود حكالي عن كل اللي عملته مع والدي في مستشفى أسيوط، وعن وقفتك هنا تحت رجلينا في مستشفى الجامعة. أنا مش هقولك إني نسيت، ولا هقولك إننا ينفع نرجع.. اللي انكسر بين الزوج والزوجة مات يوم ليلة الفرح ومبقاش ينفع يصحى. بس أنا شفت في عينيك بالأمس، ومن ورا الزجاج، إنك بقيت بني آدم بجد.. وده يكفيني كـ رد اعتبار.”
