طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 4

سقط الهاتف من يدي. انهرت على ركبتي وسط الصالة المظلمة. كل شيء انهار في لحظة واحدة؛ شهرتي، مالي، كبريائي، والآن.. الإنسانة الوحيدة التي علمتني كيف أكون بشراً. لم أفكر ثانية واحدة، أخذت مفاتيح سيارتي، وفتحت الباب دون أن أهتم بالصحفيين الذين كانوا لا يزالون يتجمهرون في الخارج. اندفعت وسطهم كالمجنون، وركبت سيارتي وقررت القيادة إلى أسيوط بأقصى سرعة، حتى لو كلفني ذلك حياتي.
طوال الطريق الصحراوي المظلم، لم تكن عيني ترى سوى وجه هيام.. وجهها وهي تبتسم لي في سنتنا الأولى، ووجهها الباكي في قاعة الأفراح، ووجهها النوراني وهي تقرأ القرآن بجانب أبي. كنت أضرب مقود السيارة بيدي وأبكي بصوت عالٍ: “يا رب خذ من عمري واعطيها.. يا رب لا تحاسبها بذنب أنانيتي وغروري.”
وصلت إلى مستشفى أسيوط الجامعي مع أول خيوط الفجر. كانت الممرات تعج بالحركة، ورائحة الدم والمطهرات تعيد لي ذكريات الأسبوع الماضي، لكن الوجع هذه المرة كان مضاعفاً آلاف المرات. ركضت نحو قسم الطوارئ والعناية المركزة، فوجدت عائلتها هناك؛ والدتها تجلس على الأرض وتبكي بحرقة، وأخوها “محمود” يقف مسنداً رأسه على الجدار وعيناه حمراوان كالدم.
بمجرد أن رآني محمود، تحولت ملامحه إلى غضب عارم. اندفع نحوي وأمسك بتلابيب قميصي وضغطني بقوة على الجدار وهو يصرخ في وجهي وسط الممر: “جاي ليه؟! جاي تشوف تمثيلية جديدة؟ اختي بتموت بسبابك! من اللحظة اللي دخلت فيها حياتها وأنت بتكسر فيها وتطفيها لحد ما رمتها في الشارع وخليت سيرتها على كل لسان! اخرج بره!”
لم أقذفه، ولم أدافع عن نفسي. تركت يده تمزق قميصي، ونظرت إليه بدموع حقيقية وقلت بصوت مبحوح: “اضربني يا محمود.. موتها في إيدك لو ده هيريحك، بس مش هتحرك من هنا لحد ما أطمن عليها. أنا السبب في كل حاجة.. أنا المستحق الموت مش هي.”
تدخل بعض أفراد الأمن والأطباء وفصلوا بيننا. جلس محمود على مقعد وهو ينشج بالبكاء، بينما انزويت أنا في زاوية مظلمة من الممر، جلست على الأرض، ووضعت رأسي بين ركبتي، تماماً كما فعلت في الحمام عندما ظننت نفسي مريضاً بالبهاق.. لكن الخوف هذه المرة لم يكن على جلدي، بل على الروح التي تحيي هذا الجسد.
خرج الطبيب الجراح من غرفة العمليات بعد مرور خمس ساعات كاملة. انقضت عليه العائلة بلهفة، واقتربت أنا من بعيد لأستمع إلى الكلمات التي ستحدد مصيري القادم. مسح الدكتور العرق عن جبينه وقال بتنهيدة ثقيلة: “الحمد لله.. قدرنا نوقف النزيف الداخلي، وظبطنا الكسور. النبض استقر.. لكن المدام دخلت في غيبوبة كاملة بسبب صدمة الرأس. إحنا عملنا اللي علينا، والباقي دلوقتي بإيد ربنا.. الساعات اللي جاية هي اللي هتحدد هل عقلها هيستجيب ويرجع، ولا…”
