طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 4

 

تسمرت في مكاني وعيناي تتنقلان بين الكلمات المكتوبة بالحبر الأسود الجاف على الورق الرسمي المختوم بنسر الجمهورية. لم تكن دعوى نفقة، ولم يكن طلباً لمؤخر الصداق، بل كانت دعوى “تعويض عن أضرار نفسية وأدبية جسيمة وتشهير”.

كان المحامي الخاص بهيام قد صاغ الدعوى بذكاء شديد وقسوة أشد؛ حيث استند إلى شهادة الشهود من صديقاتها في قاعة الأفراح، واللواتي أكدن أنني تركتها وحيدة أواجه نظرات الناس بعد أن ظهرت عليها أعراض المرض، مما تسبب لها في أزمة نفسية حادة أدت إلى دخولها في حالة اكتئاب موثقة بتقرير طبي من أحد الأطباء النفسيين. والأخطر من ذلك، أن الدعوى تضمنت طلباً بـ “الحجر التحفظي” على مستحقاتي المادية من منصاتي الرقمية وحساباتي الإلكترونية كضمان للتعويض!

سقطت الورقة من يدي على أرضية الصالة. هيام اللطيفة، النقية، التي كانت بالأمس تقرأ القرآن عند رأس أبي في المستشفى، هي نفسها التي قررت الآن أن تخوض ضدي حرباً قانونية شرسة تهدف إلى تدمير واجهتي المهنية والمادية، وتجريدي من النجاح الذي طالما تفاخرت به.

خرجت والدتي من غرفة أبي على صوت سقوطي، ونظرت إلى الورقة ثم إليّ بفزع: “في إيه يا أحمد؟ يا ابني وشك ختف لونه ليه؟ مين الراجل اللي كان على الباب ده؟”

حاولت أن أتمالك نفسي حتى لا أثير رعبها ورعب أبي المريض في الغرفة المجاورة. التقطت الورقة بسرعة ودسستها في جيبي وقررت الكذب: “مفيش يا أمي.. ده مجرد ورق خاص بالشغل ومندوب كان مستعجل. ادخلي أنتي جمب الحج وأنا هعمل تليفون سريع وجاي.”

خرجت إلى شرفة الشقة المطلة على شوارع أسيوط الهادئة في هذا الوقت من الظهيرة. كان عقلي يدور كالمطحنة. اتصلت فوراً بصديقي “ماجد” في القاهرة، وشرحت له ما ورد في الإعلان القضائي وأنا أرتجف غضباً ومفاجأة.

سكت ماجد طويلاً على الطرف الآخر من الهاتف، ثم تنهد وقال بصوت هادئ صدمتني بروده: “أنت زعلان ليه يا أحمد؟ ومستغرب ليه؟”

صرخت فيه بضيق: “مستغرب إزاي يا ماجد؟! دي كانت عندي في المستشفى من يومين وبتخدم أبويا! إزاي بالوجه ده والوش ده؟ إزاي ترفع عليا قضية تشهير وتعويض وعايزة تحجز على شغلي؟!”

رد ماجد بحكمة قاسية: “أنت لسة مش قادر تفرق بين الأصول وبين الحقوق يا صاحبي. هيام راحت للمستشفى عشان أصولها وتربيتها وعشان الراجل الطيب اللي ملوش ذنب. لكن قضيتها ضدك أنت، دي عشان تاخد حق كرامتها اللي أنتها برعونة وغرور في ليلة الفرح وقدام الناس كلها. هيام مش ملايين ماشية على الأرض، هي إنسانة اتجرحت في أنوثتها وفي شكلها وفي شرف عشرتها معاك، ومن حقها تدافع عن نفسها بالقانون عشان المجتمع ده يعرف إن المرض مش خطيئة بنعاقب عليها الست بالطلاق والنبذ.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!