طلقت مراتي حكايات زهره الربيع 4

لم يكمل جملته، ودخلت هيام إلى غرفة العناية المركزة محاطة بالأجهزة والخراطيم. سُمح لوالدتها بالدخول لدقائق، وعندما خرجت، تقدمتُ نحو الزجاج الفاصل ونظرت إليها.

كانت ترقد هناك، شاحبة كالملاك، رأسها ملفوف بالشاش الأبيض، ووجهها النظيف تظهر عليه بقع البهاق بوضوح تحت الإضاءة النيون.. لم تعد البقع مشوهة، بل بدت لي في تلك اللحظة كعلامات طهر تميزها عن بقية البشر. وقفت ووضعت جبهتي على الزجاج البارد وأخذت أهمس بكلمات لم أكن أقولها قط: “قومي يا هيام.. قومي واكسبي القضية، خدي فلوسي، خدي شغلي، ارميني في السجن.. بس عيشي.”

مرت ثلاثة أيام وأنا لم غادر الممر. لم آكل، لم أشرب سوى الماء، ولم أنم إلا لدقائق على الأرضية الباردة. تحولت إلى طيف هائم في المستشفى، وتنازل الصحفيون عن ملاحقتي بعد أن رأوا حالتي المزرية وانكساري الحقيقي الذي لم يكن يحمل أي تمثيل.

في الليلة الرابعة، وبينما كان الممر ساكناً تماماً والجميع غارقون في النوم من التعب، كنت واقفاُ أمام الزجاج أراقب مؤشر نبضات قلبها على الشاشة. وفجأة.. بدأ المؤشر يضطرب، وأصدر الجهاز صوتاً متصلاً ومرعباً يعلن توقف النبض!

اندفعت نحو الباب وأنا أصرخ: “دكتور! إلحقونا! الجهاز بيصفر!”

هرع أطباء الطوارئ والممرضون إلى الغرفة، وأغلقوا الستارة في وجهي. وقفت خلف الزجاج وأنا أرى من خلال شق صغير أطباء الصدمات الكهربائية وهم يحاولون إنعاش قلبها، وجسدها يتفض بقوة على السرير مع كل صدمة، بينما كان مؤشر الحياة على الشاشة لا يزال خطاً مستقيماً وميتاً..

وفي تلك اللحظة الرهيبة، التفت الطبيب نحو الممرضة وقال بأسف: “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي…”

 

## الجزء التاسع والأخير: مرآة الجوهر

ارتجفت أركان ممر المستشفى، وشعرت بأن جدرانه البيضاء تنهار فوق رأسي. “ارفعي الشحن.. وجهزي المحلول الأخير، دي المحاولة الأخيرة”. نزلت الكلمات على مسامعي كحكم بالإعدام. لم أعد أرى الأطباء ولا الأجهزة، لم أعد أرى سوى شريط حياتي يتلاشى مع ذلك الخط المستقيم على الشاشة.

سقطت على ركبتي في الممر المظلم، وألصقت جبهتي بالأرض الباردة. لم يكن سجود كبرياء، بل كان سجود عبد انكسر تماماً أمام خالقه. بكيت بنحيب مزق صدري، ودعوت من أعماق قلبي: *”يا رب.. أنا اللي استحق الموت، أنا اللي عشت ميت بالغرور والأنانية. خذ من عمري وصحتي، خذ صورتي واسمي وكل ما أملك.. بس رجعها لأهلها، رجع الروح الطاهرة دي للدنيـا”*.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!