حكايات منى السيد 2

وفجأة.. سحبت إيدها تاني من غير ما تلمس الورق، وبصتلي وعينيها مليانة دموع متحجرة وقالت بصوت هادي بس قوي: “إنت لسه مش فاهم يا أحمد.. إنت فاكر إن مشكلتي كانت في الخلفة؟ أو إن وجعي سببه إني محرومة من العيال؟ لا يا أحمد.. الوجع الحقيقي إن الشخص الوحيد اللي كنت مستعدة أواجه بيه الدنيا، وأستحمل معاه أي حاجة، طلع أول واحد يتخلى عني لما لقى البديل اللي يرضي كبريائه قدام الناس.”
وقفت نجوى وبصت لوالدتها وقالت: “أنا مش هسافر يا أمي، ومش هقبل إن رحلة علاجي تكون تمن لغلطة هو عملها عشان يريح ضميره.. أنا كرامتي مش للبيع، ولا للترميم بفلوس.”
وقبل ما تسييب الصالون وتدخل، التفتت ليا وقالت الكلمة اللي قطعت كل حبال الأمل اللي كنت ماسك فيها: “لو عايز تثبتلي فعلاً إنك ندمان يا أحمد.. طلقني.. وسيبني أعيش اللي باقي من عمري وأنا حاسة إني بني آدمة، مش غلطة إنت بتحاول تداويها.”
دخلت الأوضة وقفلت الباب، وحماتي بصتلي بأسف وقالت: “يا ابني.. جرح الست في شرفها أو كرامتها مبيلموش دهب الدنيا.. سيبها تهدى، والورق ده خليه معايا، أنا هحاول أتكلم معاها.”
خرجت من البيت وأنا حاسس إن الأرض بتهد تحت رجلي.. الرفض المرة دي كان أقوى وأعمق.. رجعت شقتي، وقعدت في الضلمة، ومبقاش قدامي غير حل واحد.. حل مجنون بس كنت مستعد أعمله عشان أثبتلها إن الفلوس والعيش والدنيا كلها متساويش ضحكتها.
فتحت لابتوبي، ودخلت على حسابات الشغل والمشروع، وبدأت أكتب قرار رسمي بتنازل عن نصيب وممتلكات المشروع كله، والشقة، والعربية.. لاسم “نجوى”.. كتبت كل اللي أملك باسمها، وبعت النسخة للمحامي بتاعي وقولتله: “خلص الإجراءات دي بكرة الصبح.”
كنت عايز أروح لها وأنا “أحمد” بتاع زمان.. الموظف البسيط اللي مملكش في جيبه غير كام جنيه.. كنت عايز أقولها: “أهو أنا خسرت كل حاجة تاني.. بس المرة دي بمزاجي.. عشان أثبتلك إنك إنتي الرزق الوحيد اللي بندم عليه.”
تاني يوم الصبح، والمحامي شغال في الإجراءات، تليفوني رن.. بس المرة دي مكنش الدكتور، ولا كانت حماتي.. ده كان رقم غريب، وأول ما رديت سمعت صوت لغة عربية مكسرة من سكرتيرة مستشفى البروفيسور برة مصر بتقولي: “أستاذ أحمد؟ إحنا استلمنا الفايل الطبي لمدام نجوى.. بس في إيميل وتحديث مهم جداً وصلنا من المعمل الطبي اللي في مصر.. لازم تبلغه للبروفيسور فوراً قبل أي خطوة..”
قلبي سقط بين رجلي، والدم هرب من عروقي وأنا سامع السكرتيرة الأجنبية بتتكلم بنبرة فيها ارتباك واضح. سألتها بلهفة وصوت بيرتعش: “تحديث إيه؟ في إيه في الورق؟ أنتم شوفتوا حاجة خطيرة في التحاليل؟ أرجوكي اتكلمي عربي أو إنجليزي واضح.. مراتي فيها إيه؟”
