حكايات منى السيد 2

قالتلي بلغة مكسرة: “أستاذ أحمد، المعمل الطبي اللي في القاهرة بعت إيميل عاجل للمستشفى هنا يطلب سحب الفحوصات الأخيرة اللي اتبعتت لينا.. بيقولوا إن حصل تبديل في الأسماء والنتائج بين عينات مدام نجوى وعينات مريضة تانية كانت معاها في نفس اليوم ونفس الساعة!”
سكت تماماً.. للحظة حسيت إن حاسة السمع عندي اتعطلت، أو إني بحلم حلم كابوس مرعب. سألتها بصوت يكاد يكون مسموع: “تبديل؟ يعني إيه؟ يعني نجوى معندهاش مشكلة؟”
ردت: “التقرير الجديد اللي المعمل صححه بيفيد إن مدام نجوى فحوصاتها سليمة تماماً ومفيهاش أي عائق طبي يمنع الإنجاب.. المشكلة مكنتش عندها من البداية يا فندم. إحنا هنقفل الملف هنا لحد ما تراجعوا الدكتور بتاعكم في مصر.”
قفلت السكة وأنا مش قادر أتنفس.. الهوا طار من صدري. قعدت على الأرض في وسط مكتب الشغل والورق والتنازلات اللي كنت لسه بمضيها حواليا. ضحكت زي المجنون.. ضحكت بوجع وكسرة وسخرية من الدنيا. المشكلة مكنتش عند نجوى! الست اللي شالت الذنب، واللي بكت بدل الدموع دم، واللي لامت نفسها كل ليلة، واللي وقفت قدام مرايتها تحس بالعجز، واللي واجهت نظرات أمي وأختي المسمومة.. كانت سليمة!
أنا اللي كنت بجري ورا وهم.. أنا اللي سمحت لصاحبي وأمي وأختي يملوا دماغي بأني “صغير ومقتدر وأقدر أفتح بيتين” وأني حارم نفسي عشان ست مابتخلفش.. في حين إن الست دي كانت بريئة، وكانت مستعدة تعيش معايا بلقمة وجبنة وبكام جنيه في جيبي، وتتحمل عيبي لو العيب كان فيا.. وأنا أول ما اتقالي إن العيب فيها، فكرت أكسرها وأتجوز عليها!
لميت الورق والتنازلات في الشنطة، وجريت على المعمل الطبي زي المجنون. دخلت على المدير، زعقت، وصرخت، وقلبت الدنيا لحد ما طلعولي التقرير المختوم الجديد واعتذروا بخوف من القضايا والتعويضات. أخدت الورق في إيدي.. الورق ده مكنش مجرد شهادة طبية، ده كان صك براءة نجوى، وكان في نفس الوقت حكم إعدامي أنا.. لأن جرحها دلوقتي بقا أضعاف. لو كانت مريضة ومشت وهي مكسورة، فدلوقتي هتمشي وهي حاسة بأبشع أنواع الظلم.
ركبت العربية وطيرت على بيت أهلها. مكنتش شايف قدامي من الدموع. وصلت وخبطت على الباب بكل قوتي. فتحلي محمود أخوها، وشاف منظري والورق اللي في إيدي ودموعي اللي مغرقة وشي، لسه هيزعق ويقفل الباب، زقيته بكل قوتي ودخلت الصالة وأنا بصرخ: “نجوى!!! يا نجوى اطلعي يا نجوى!! اطلعي شوفي غبائي وظلم الدنيا ليكي!”
خرجت حماتي تجري، ووراها خرجت نجوى بوشها الشاحب وعينيها اللي مبقتش تفارقها الدموع. بصتلي بغضب وقالت: “إنت مابتفهمش؟ إنت إيه اللي جابك هنا تاني؟ مش قولتلك الكلام خلص؟”
