الجزء الثالث: المحامين ماليين الممر، وصوت الهتافات والنداءات على القض*ايا برة القاعة كان عامل زي زنين النحل. مراتي السابقة وممدوح دخلوا قاعة المحكمة وهما سانين سنانهم، واثقين في العقود والورق الرسمي اللي معاهم، ومفتكرين إن "جمال" خلاص ج*ثة هامدة ومبقاش فيه حيل يدافع عن نفسه. بدأت الجلسة، ومحاميها وقف بكل ثقة يقدم مستندات البيع والشراء وشيكات البنك اللي باسمها، وبيقول للقاضي: "يا سيادة المستشار، كل الأملُاك دي باسم موكلتي رسميًا وبطرق قانونية، والمدعي بيتبلى عليها بعد الطلاق عشان يبتزها". في اللحظة دي، محاميّ وقف، وبكل هدوء وثبات حط "الفلاشة" والتفريغ النصي للرسائل والمكالمات على منصة القضاء. المحامي بتاعي صوته هز القاعة: "يا سيادة المستشار، نحن لا نبتز أحدًا.. نحن نكشف شبكة من الخيانة والتآمر. معنا هنا دليل قاطع، رسائل وتسجيلات متبادلة بين الزوجة السابقة وبين هذا الرجل المتواجد في القاعة، ترجع لتاريخ ما قبل الطلاق بسنتين كاملين.. التسجيلات تثبت وجود علاقة غير شرعية، وتثبت اتفاقهما على تحويل أموال وممتلكات موكلي، مستغلين غربته وثقته العمياء في زوجته، لإعداد ما أسموه في رسائلهم (عش الزوجية الجديد) من شقا وعرق رجل مغترب". القاعة كلها سكتت. القاضي عدل نظارته، وبدأ يبص في الورق والتفريغ، وملامح وشه اتغيرت تمامًا. بص لممدوح ولطليقتي بنظرة حاسمة، وطلب تحويل الفلاشة للنيابة العامة وقطاع الاتصالات لتفريغها رسميًا وإعداد تقرير فني. أنا كنت قاعد ورا، باصص عليهم.. وش ممدوح بقا لونه أصفر زي الليمونة، وجسمه بدأ يترعش، ومراتي السابقة عينيها زاغت وبقت تبص حواليها كأن الأرض بتسحبها. الثقة والبجاحة اللي كانوا داخلين بيها اتبخرت في ثانية. خرجنا برة القاعة مستنيين قرار التأجيل، ممدوح جرى ورايا في الممر، ومسك في كم جلابيتي وهو بينهج: "جمال.. استهدى بالله يا صاحبي، إحنا عشرة عمر، بلاش الفضايح دي.. إحنا ممكن نقعد قعدة عرب ونحلها ودي، وهرجعلك جزء من الفلوس والشقة". بصيت لإيده المقرفة وهي ماسكة هدومي، ونفضتها بكل قوتي وقولتله بصوت رج المحكمة: "عشرة عمر؟ إنت عرفت العِشرة وإنت بتسرق شقايا وتنام في سريري؟ الفلوس والشقة هيرجعوا بالقانون وبأمر المحكمة، بس شرفي وكسرة نفسي قدام بناتي، تمنهم فضيحتكم في وسط البلد كلها.. مش هسيبكم غير في الحبس". طليقتي قربت وهي بتزعق وتداري خيبتها: "إنت فاكر نفسك هتاخد حاجة؟ المحاكم هتقعد سنين، وأنا مش هسيبلك قرش واحد!". رديت عليها بنظرة برود قاتلة: "القض*ية مابقتش فلوس يا أم البنات.. الق**ضية بقت ق*ضية شرف وزنا وخيانة أمانة.. والناس كلها في منطقتنا وعيلتك وعيلته عرفوا الحقيقة.. اطلعي بقا من المحكمة ووري فرجك للناس". رجعت الشقة الإيجار الصغيرة لبناتي، لقيتهم قاعدين بيذاكروا على طبلية صغيرة. بستاني وبصيت في عيونهم، وحسيت لأول مرة من سنة إن الحمل بدأ يخف من على ضهري. صحتي لسه تعبانة، وجسمي لسه شايل هموم الغربة، بس روحي رجعتلي. الفضيحة بدأت تسمع في منطقتنا القديمة، وعيلة ممدوح قاطعتهم، ومراته الأولى رفعت عليه قض*ية طلاق ونفقة وحجزت على محله، وبقوا هما الاتنين محبوسين جوة الشقة اللي سرقوها مني، مبيقدروش يفتحوا الشيش ولا يخرجوا في البلكونة من نظرات الناس وكلامهم اللي زي السم. المحامي كلمني بالليل وقال لي: "التقرير الفني جه وصالحنا 100%، والجلسة الجاية هتبقى القاضية يا جمال.. جهز نفسك عشان النيابة هتطلب ضبط وإحضار". قعدت على الكرسي، وابتسمت لأول مرة من قلب بجد.. الحساب لسه مخلصش، والضربة الكبيرة جاية في الطريق، والدم مش هيبقى مية. #الكاتب_رومانى_مكرم الجزء الرابع (قبل الأخير): البلد كلها بقت بتتكلم عن القصة. المحل بتاع ممدوح اتقفل بالشمع الأحمر بعد ما مراته الأولى حجزت عليه، وأهله عملوا قعدة في القهوة الكبيرة وأعلنوا قدام كبار المنطقة إنهم بريئين من دم أخوهم ومن عمايله الخسيسة لحد يوم الدين. طليقتي وممدوح بقوا عايشين زي الفئران المحبوسة جوة شقتي، النور مطفي طول الليل، والشبابيك متقفلة بالخشب عشان خايفين من الطوب اللي العيال الصغيرة بقت ترميه على البلكونة. يوم الجلسة الحاسمة، المحكمة كانت زحمة لدرجة إن مكنش فيه مكان لرجل. الناس من منطقتنا ومن برة جوم عشان يشوفوا نهاية "الخيانة". دخلت القاعة وأنا ساند على المحامي بتاعي، وجوايا هدوء غريب. وبعد دقايق، دخل ممدوح وطليقتي والحرس محاوطهم من كل حتة.. النيابة كانت أصدرت قرار ضبط وإحضار ومنع من السفر بناءً على تقرير قطاع الاتصالات اللي أثبت إن التسجيلات والرسايل سليمة ومفيش فيها أي تلاعب. وقف وكيل النيابة وبدأ يلقي مرافعته، وصوته كان زي الرعد في القاعة: "يا سيادة المستشار، إننا لا نواجه قض*ية سرقة أو نزاع مالي عادي، بل نواجه ج*ريمة اغت*يال معنوي مكتملة الأركان. رجل تغرب وأكل العيش المر، ووثق في زوجته وصديقه، فما كان منهما إلا أن طعناه في ظهره، ونسجا خيوط المؤامرة وهو في غربته، ليجرداه من ماله، وعرضه، وبيته. نطالب بتطبيق أقصى العقوبة بتهمة الزنا، والتزوير، وخيانة الأمانة". طليقتي انشلت من الصدمة، وبقت تصرخ وهي في قفص الاتهام: "والله العظيم هو اللي كتبلي كل حاجة بمزاجه! أنا مأجبرتوش!". أما ممدوح، فكان واقف حاطط راسه بين رجليه، ودموعه نازلة من الخوف بعد ما عرف إن الحبس بقا مسألة وقت. المحامي بتاعي قدم القاضية: طلب رسمي ببطلان جميع عقود البيع والتنازل عن الشقة والعربية والدهب، لأنها تمت بناءً على تدليس وغش وتدبير جنائي لإخفاء ج*ريمة أصلية وهي الخيانة الزوجية. القاضي رفع الجلسة للمداولة.. ساعتين كاملين مروا عليا كأنهم ميت سنة. كنت قاعد في الممر، وبناتي نايمين على رجلي، وبقول في بالي: "خلاص يا رب.. الشقا هيرجع، والكسرة هتجبر". نادى حاجب المحكمة: "محكمة!". الكل وقف، ودقات قلبي كانت بتسمع في وداني. القاضي مسك الحكم ونطق: "حكمت المحكمة حضوريًا.. أولًا: بحبس المتهمة الأولى والمتهم الثاني سنتين مع الشغل والنفاذ بتهمة الزنا وخيانة الأمانة. ثانًا: إحالة الدعوى المدنية بشأن بطلان العقود والتنازلات إلى المحكمة المختصة مع التحفظ على الممتلكات والشقة لحين الفصل النهائي". صوت الزغاريد والتهليل رج القاعة من ناس المنطقة اللي واقفين معايا. طليقتي وقعت من طولها في القفص، وممدوح انهار وهو بيتكبش بالحديد في إيد العسكري. خرجت من المحكمة وأنا رافع راسي، بصيت للسما ودموعي نزلت.. دي كانت أول خطوة، الرجلين دخلت الحبس، والورق اتقلب لصالحي. بس الحكاية لسه مقفلتش.. الفلوس والشقة والعز اللي راح لازم يرجعوا لحد عندي، والمشهد الأخير اللي هغسل فيه كرامتي على الآخر.. لسه هيتكتب. #الكاتب_رومانى_مكرم الجزء الخامس والأخير (والحكمة): العدل مبيجيش مرة واحدة، العدل بييجي حتة حتة زي طلوع الروح. بعد الحكم بحبسهم، كانت القض*ية المدنية شغالة في المحاكم لإبطال كل العقود والتنازلات. وسبحان العاطي الوهاب.. تقرير الخبراء وتفريغ الرسايل اللي أثبت الخيانة والتدليس قبل الطلاق، كان هو المسمار الأخير في نعش أوهامهم. المحكمة حكمت ببطلان عقد بيع الشقة، وعقد العربية، ورد الـ 900 جرام دهب، وإلزام طليقتي برد كل المبالغ اللي اتحولت لحسابها من برة مصر على مدار السنين بعد ما ثبت إنها اتصرفت في غير موضعها وبناءً على غش وتدليس. يوم تنفيذ حكم طرد المحتجين واستلام الشقة، كان يوم مشهود في المنطقة. النيابة جابت قوة من الشرطة، وكنت واقف تحت عماراتي، وبناتي في إيدي الصغيرين. الجيران كلهم كانوا واقفين في البلكونات والشارع، بيتفرجوا على نهاية "الخيانة". الباب اتفتح بالقوة الجبرية، وخرجت "الحاجة" اللي كانوا مسميينها ملكة، مكلبشة في إيد العسكري هي وممدوح عشان يتنقلوا لسجن المزارع لتنفيذ العقوبة، بعد ما اترفض الاستئناف بتاعهم. ممدوح وهو معدي من جنبي، عينه جت في عيني، كانت عينه مكسورة، ضهرها محني، وهدومه مبهدلة.. بصيت له وقولت له جملة واحدة: "السرير اللي نمت عليه بالحرام.. السجن أولى بيه". طليقتي بصت لبناتها وبكت، وبناتي لَفّوا وشهم الناحية التانية واستخبوا ورا ضهري. الدموع دي مكنتش دموع ندم، دي كانت دموع الخيبة والخسارة. دخلت شقتي.. الشقة اللي اتقفل بابها في وشي من سنتين. الشقة كانت مكركبة، والروح اللي فيها كانت غريبة، بس بمجرد ما بناتي جريوا على أوضتهم القديمة وصوت ضحكتهم رج مالي الحيطان، حسيت إن الروح رجعت للمكان، وإن العرق والشقا مروحش في الأرض. العربية رجعت تحت البيت، والفلوس اللي رجعت من البنك والممتلكات، عملت بيها المشروع اللي كنت بحلم بيه في غربتي.. "معرض كبير للمقاولات ومواد البناء"، وشغلت معايا فيه شباب المنطقة المحترمين، وبقيت بشتغل على قد صحتي، بس وسط ناسي وبناتي. اليوم، وأنا عندي 48 سنة، بقيت ببص في المراية وأنا مرتاح.. صحتي يمكن مش زي زمان، وشعري غزا فيه الشيب من قهر السنين، بس كرامتي رجعتلي كاملة مكملة، وبناتي كبروا في حضني، وبقوا بيشوفوا أبوهم وهو مرفوع الراس وسط الدنيا كلها. ### الحكمة من حكايات جمال: يا كل مغترب، ويا كل رجل شقيان في بلاد الغربة.. الحب أصول، والبيوت بتتبني على المودة والرحمة، مش على العَمى وإلغاء العقل. * **الأمان مش في الورق.. الأمان في الأصل:** لما تأمّن بيتك وعيالك، أمنهم بحدود الله وبما يرضي الله. متسلمش رقبتك وشقا عمرك كله لبشر، لأن القلوب بتتقلب، والنفوس بتمرض، والفلوس بتغير النفوس الضعيفة. * **اتعلم تقول "لا" حتى لأقرب الناس:** الثقة العمياء مابتجيبش غير الندم. اكتب حق أولادك، وأمن مستواهم، بس سيب لنفسك خط رجعة يحميك في شيبتك وغربتك.. عشان لما ترجع، تلاقي بيت يلمك، مش كالون يتغير في وشك. * **الحرام مبيثمرش:** الفلوس والشقة والعز اللي بيتبنوا على قهر وظلم وخيانة رجل غايب بياكل المر عشانهم.. بيبقوا نار بتاكل صاحبها. ممدوح وطليقتي افتكروا إنهم ملكوا الدنيا، بس نهايتهم كانت في أربعة حيطان ورا الحديد، والفضيلة بقت فضيحة، والفلوس بقت وبال عليهم. * **الدم عمره ما يبقى مية.. وحق المظلوم مبيضيعش:** لو الدنيا كلها اتقفلت في وشك، وبقيت صفر زي ما جمال بدأ.. افتكر إن فيه رب اسمه "العدل"، بينصر المظلوم ولو بعد حين، وبيرد الحق لأصحابه طالما صاحب الحق منامش عن حقه وفضل يعافر لآخر نفس. تمت.. #الكاتب_رومانى_مكرم