مدير الشركة

الدكتور بص للتليفون المرعوب وبصلي، والرنة كانت بتدوي في الأوضة زي إنذار الحريق. شاورت له بصباعي يسكت تماماً، وسحبت التليفون من على المكتب، وفتحت الخط وفتحت السبيكر، من غير ما أنطق بحرف.
صوت دينا جه من السماعة، مكنش فيه الرقة المصطنعة بتاعت كل يوم، كان صوت حاد، ناشف، وفيه نبرة آمرة: “رأفت! ياسين مكنش في الشركة النهاردة، والسواق بتاعه قال إنه سأل على عنوان عيادتك القديمة. لو ياسين وصلك أو سأل عن ورق المستشفى بتاع الصعيد، أنت عارف هتقول إيه.. الطفل مات بعد الولادة بدقايق واندفن، فاهم؟ لو عكيت، الفلوس اللي أخدتها هترجعها من لحمك ولحم عيالك”.
دينا قفلت السكة قبل ما تسمع رد. الأوضة رجعت تترمي في سكوت قاتل. الدكتور رأفت كان ساند على مكتبه وجسمه كله بيترعش، وأنا كنت حاسس إن حيطة العيادة بتميل عليا. الغضب عما لي عيني، بس الجملة الأخيرة بتاعتها أكدت لي حاجة واحدة: ابني عايش.. دينا بتأكد على قصة الموت عشان تدفن الحقيقة.
### الحقيقة العارية
قربت من الدكتور رأفت، وسحبت كرسي وقعدت قباله بالظبط، وصوتي بقى هادي لدرجة مرعبة: “سمعت بنفسك.. دينا باعتك خلاص، والكلب اللي دبرت معاه الفخ ده زمان سلمني الورق كله ومبقاش ورايا غيرك. انطق يا رأفت.. الطفل التالت فين؟ لو مقلتش، قسماً بالله هخرج من هنا على النيابة، وهتتجاب بتهمة تزوير وخطف وتواطؤ، والفلوس اللي أخدتها من دينا مش هتنفعك في السجن”.
الدكتور انهار تماماً وقعد على ركبه: “والله العظيم ما خطفته، ولا دينا خدته! دينا كانت عايزاني أموته.. قالت لي مش عايزة حتة من ياسين ومريم تعيش وتجمعهم تاني، بس أنا خفت من ربنا.. مأدرتش اق*تل نفس”.
“أمال عملت فيه إيه؟!”، زعقت فيه وأنا بضربه على المكتب.
الدكتور بلع ريقه وصوته كان بيطلع بالعافية: “لما مريم ولدت، التوأم الأول والتاني كانوا كويسين، التالت نزل ضعيف جداً ومحتاج حضانة فوراً. دينا رفضت تدفع للمستشفى تمن الحضانة وكانت عايزاني أسيبه يموت من غير نفس. في نفس الليلة، كانت فيه ست غلبانة من قرية جمب المستشفى، ولدت وطفلها نزل ميت، وكانت بتموت من القهر.. أنا أخدت الولد التالت، وفهمت الست دي إن ابنها عاش، وكتبت شهادة وفاة مزورة لدينا عشان تاخد فلوسي وتطمن.. الولد عايش مع الست دي في قرية (المنشأة) في الصعيد، وميعرفش أي حاجة عننا!”.
### طريق العودة
الدموع نزلت من عيني من غير ما أحس. ابني عايش في بيت ناس تانين، ميعرفش إنه ابن ياسين المنصوري، وأمه مريم فاكراه مات.. عشت سنة كاملة أكل وأشرب وأنام مع الست اللي خططت لكل ده، الست اللي حرمت أم من ضناها، وحرمتني من تلات عيال.

