كل اسبوع حكايات رومانى مكرم 5

فتح غطاء الزجاجة بأسنانه، وتصاعدت منها فوراً رائحة نفاذة، مرعبة، ومألوفة جداً… كانت رائحة “الياسمين البري”! نفس الرائحة التي وجدوها مع جثة زوجته الأولى ماجدة.
قرب الزجاجة من وجهي وتابع وعيناه تتسعان بجنون:
“ياسر كان بيجهزلك اللافندر… بس أنا قولت الياسمين يليق بيكي أكتر يا بنت أختي. هتشربي المهدئ ده، وتنامي في هدوء.. والبوليس الصبح هيلاقيكي جثة معطرة، وأنا هكون بقيت في مكان أبعد مما يتخيلوا… يلا يا حبيبتي، اشربي عشان ترتاحي!”
بدأ يضغط على فكي بالسكين ليجبرني على فتح فمي وسكب السائل السام، بينما كانت قواي تخور كلياً أمام قوته المرعبة ونظرات الموت في عينيه. تطلعتُ نحو باب المطبخ بيأس، وأنا أدعو في سري أن يستيقظ أحمد، أو أن يحدث أي شيء ينقذني من هذه النهاية البشعة التي باتت تفصلني عنها ثوانٍ معدودة…
#الكاتب_رومانى_مكرم
كانت فوهة الزجاجة السامة تلامس شفتيّ، ورائحة الياسمين البري تملأ خياشيمي لتعلن عن اقتراب النهاية. أغلقتُ عينيّ واستسلمتُ تماماً، داعية الله أن يرحمني، فالموت بات قاب قوسين أو أدنى، والسكين يضغط على عنقي بقسوة.
لكن، في اللحظة التي بدأ فيها السائل السام يلامس طرف لساني، دوت في المطبخ صرخة غضب زلزلت أركان الشقة:
“خاااالي سليماااان!”
انفتح باب المطبخ بعنف، واندفع أحمد كالموجة العاتية. استيقظ على صوت سقوط كوب الماء الزجاجي قبل قليل، وتحرك بحذر حتى رأى الكابوس الذي يحدث في المطبخ. لم يتردد أحمد ثانية واحدة؛ ألقى بنفسه بكامل ثقله على خالي سليمان، ليرتطم الاثنان بالأرض.
طارت زجاجة السُم من يد خالي وسقطت على الأرض لتتحطم، ويسيل سائلها مخلفاً رائحة ياسمين خانقة. انزلق السكين من يده أيضاً، لكنه برغم كبر سنه، كان يملك قوة مرعبة يغذيها الجنون والرغبة في النجاة. تحول المطبخ الصغير إلى ساحة معركة دموية بين خال وابن أخته.
تحررتُ من قبضته وسقطتُ على الأرض وأنا أسعل بشدة، أحاول طرد قطرات السائل السام من فمي. نظرتُ بفزع فرأيتُ خالي سليمان يطبق بيده على عنق أحمد، ويحاول الوصول إلى سكين المطبخ الملقى على الأرض ليقض*ي عليه.
بكل ما تبقى لي من طاقة وحياة، زحفتُ على الأرض المليئة بالزجاج المكسور، وقبضتُ على يد خالي التي تمتد نحو السكين، وثبتها بكل قوتي وأنا أصرخ بأعلى صوتي نحو النافذة:
“الحقوناااا! البوليس اللي تحت! الحقوناااا!”
أصوات الصراخ والارتطام العنيف وصلت إلى أسفل البناية. في ثوانٍ معدودة، سُمعت أصوات كسر الباب الخارجي للشقة، واندفعت قوة الشرطة والمخبرين إلى داخل المطبخ. هجم أربعة من رجال الشرطة على خالي سليمان، وشلوا حركته تماماً بعد مقاومة عنيفة منه، وتم تقييده بالحديد.

