كل اسبوع حكايات رومانى مكرم 5

وصلنا إلى بيت العائلة، وكان المشهد أسفل البناية يبعث على الرعب؛ سيارتا شرطة وأربعة مخبرين انتشروا في المكان لتأميننا بناءً على أوامر وكيل النيابة. صعدنا إلى الشقة، وأغلق أحمد الباب الحديدي الخارجي بكل الأقفال الممكنة، ثم التفت إليّ وعيناه حمراوان من فرط القلق والغضب:
“فريدة… تليفونك وتليفوني وتليفون أمي هيقفلوا حالا. مش عايز أي وسيلة تواصل تشتتنا، والبوليس برة مأمن المكان. خالي سليمان نهايته قربت، ومش هيقدر يمس شعرة منك.”
أومأتُ برأسي واستسلمتُ لسريري، لكن النوم كان أبعد ما يكون عن جفوني. مرت الساعات ثقيلة كأنها دهور. حلت ليلة مخيفة، وهبط هدوء غريب على المنطقة، هدوء لم يكن يقطعه سوى نباح الكلاب الضالة في الشوارع البعيدة.
حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شعرتُ بالعطش يمزق حنجرتي. قمتُ بهدوء من فراشي حتى لا أوقظ أحمد النائم على المقعد في الصالة كحارس مرابط. تحركتُ نحو المطبخ بخطوات وئيدة، ولم أشعل الأنوار كي لا أثير الانتباه.
ملأتُ كوباً من الماء، وبينما كنتُ أرفعه إلى فمي، التفتُّ نحو نافذة المطبخ المطلة على المسقط الخلفي للعمارة. تجمدتُ في مكاني، وسقط الكوب من يدي ليتناثر زجاجاً على الأرض.
من خلال ضوء القمر الخافت، رأيتُ ظلاً يتحرك على مواسير الغاز الطبيعي الخارجية المتصلة بنافذة المطبخ! لم يكن ظلاً عادياً، كان شخصاً يتسلق بخفة ورشاقة لا تتناسب مع عمره. وقبل أن أتمكن من إطلاق صرخة واحدة لاستدعاء أحمد، امتدت يد قوية من نافذة المطبخ المواربة، وقبضت على فمي بقوة شلت حركتي تماماً!
تلاقت عيناي بعينيه في الظلام… كان هو. خالي سليمان!
كان يرتدي ملابس سوداء بالكامل، وعيناه تلمعان بجنون لا يقل عن جنون ياسر. دخل من النافذة بلمح البصر، ووضع سكيناً حاداً على رقبتي، وهمس في أذني بصوت فحيح مرعب يحمل رائحة الموت:
“ولا كلمة يا فريدة… لو طلعتي صوت، أخوكي اللي برة ده هيموت قبل ما يدخل المطبخ. البوليس اللي تحت مغفلين، فاكريني هنيجي من الباب؟”
الدموع انهمرت من عيني بغزارة وأنا أرتجف بين يديه. تراجع بي إلى زاوية المطبخ وهو ما زال يكتم أنفاسي، ثم أخرج من جيبه زجاجة صغيرة جداً… زجاجة عطر داكنة اللون.
قال بصوت هامس يقطر تشفياً وجنوناً:
“ياسر غبي… بوّظ كل اللي علمتهوله بغبائه وفضوله. رانيا وماجدة عاشوا وماتوا في هدوء، ومحدش حس بحاجة. طقوس العطر دي مش مرض يا فريدة… دي الطريقة الوحيدة اللي بنثبت بيها ملكيتنا للستات اللي بنحبهم عشان يفضلوا لينا للأبد وميفكروش يهربوا. أنتِ اللي فتحتي أبواب جهنم علينا، وبسببك اسم عيلتنا هيتداس في التراب. الجواب اللي سبته للبوليس كان مجرد تمويه عشان يفتكروا إني هربت برة القاهرة… أنا كنت مستنيكي هنا!”

