عزمتُ خطيب ابنتي 2

الدخان بدأ يملأ الصالة بسرعة مرعبة، والنيران تلتهم الستائر وتزحف نحو السجادة القديمة. كانت مريم تصرخ وهي تحاول فتح باب الشقة، لكن سامي كان قد أغلقه بإحكام من الخارج، وكسر المفتاح داخل القفل ليضمن ألا نخرج أحياء.
“أمي! سنموت هنا!” صرخت مريم وهي تغطي وجهها من الدخان.
لكنني لم أكن مستعدة للاستسلام. نظرتُ حولي، فتذكرتُ فأسًا قديمًا تركه زوجي الراحل في شرفة المطبخ. ركضتُ نحوه، وبينما كنتُ أحمله، لمحتُ من الشرفة “عمر”، الأخ التوأم، واقفًا في الأسفل يراقب الحريق ببرود، بينما كان سامي في الجهة المقابلة يصرخ بأعلى صوته أمام الجيران:
“ساعدوني! خطيبتي وأمها بالداخل! النار حاصرتهم!”
كان تمثيلاً متقنًا جعل الجيران يهرعون بجلبة، لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب من النيران المستعرة.
عدتُ إلى مريم، وبكل ما أوتيتُ من قوة، بدأتُ أحطم الحائط الخشبي الفاصل بين شقتنا وشقة الجار “عمي صالح”، وهو رجل مسن يعيش وحده وكانت هناك فتحة تهوية قديمة بيننا تم سدها بديكور خشبي منذ سنوات.
بعد ضربات متتالية، انهار الخشب. دفعتُ مريم أولاً: “اخرجي يا ابنتي! اذهبي لبيت عمك صالح!”
وبمجرد أن عبرتُ خلفها، سقط سقف الصالة في شقتنا محدثاً دويًا هائلاً.
في بيت عمي صالح، كان الرجل المسن نائمًا ولا يشعر بما يحدث. لم نوقظه، بل خرجنا من باب شقته بهدوء إلى السلم الخلفي للعمارة. لم يكن سامي يتوقع أننا سنخرج من مكان آخر.
نزلتُ إلى الشارع من الباب الخلفي، ورأيتُ سامي وهو يمثل الانهيار على الرصيف والجيران يواسينه. وفي تلك اللحظة، رن هاتفي في جيبي.. لم يكن سامي، بل كان رقمًا دوليًا.
أجبتُ وأنا ألهث، فجاءني صوتٌ أعرفه تمامًا.. صوتٌ لم أسمعه منذ خمس سنوات:
“فاطمة.. لا تصدقي أنني مت. اهربي من الشقة فورًا، سامي وعمر اكتشفوا مكاني!”
تسمرتُ في مكاني، وسقط الهاتف من يدي. زوجي؟ هل زوجي ما زال حيًا؟
نظرتُ إلى مريم التي كانت تراقب سامي من بعيد، ثم نظرتُ إلى الرجل الذي يرتدي قناع التقوى وهو يمسح دموعًا كاذبة، وأدركتُ أن المؤامرة أكبر من مجرد ابتزاز أو سرقة شقة.
فجأة، لمحنا “عمر” من خلف العمارة. رآنا ونحن نقف في الظلام. أشار لسامي بيده، فالتفت سامي نحونا، وتغيرت ملامحه من الحزن المصطنع إلى غضبٍ شيطاني حين رآنا أحياء.
ترك الجيران وركض نحونا وهو يصرخ: “مريم! فاطمة! الحمد لله أنكما بخير!”.. لكن يده كانت تمسك بشيء مخفي خلف ظهره.
سحبتُ مريم من يدها وركضنا نحو أزقة وهران الضيقة، بينما كان التوأمان يطارداننا كذئاب جائعة. دخلنا في زقاق مسدود، وبينما كنا نبحث عن مخرج، ظهر سامي من أمامنا وعمر من خلفنا.
