عيد الأم، حكايات رومانى مكرم 2

## الجزء الثالث: الرماد المخفي تحت السجادة

ساد الصمت في الصالة، صمت ثقيل ومخيف لدرجة أن صوت أنفاسي المضطربة كان مسموعًا للجميع. نظرات أولادي الخمسة التي كانت منذ ثوانٍ موجهة بكبرياء ونصر نحو داليا، تحولت الآن إليّ، لكنها لم تكن نظرات اتهام، بل كانت مزيجًا من الخوف والترقب.

مريم ظلت واقفة أمامي، وعيناها الذكيتان تخترقان صمتي. كررت سؤالها بنبرة أهدأ لكنها أكثر حسمًا:

“بابا.. سر إيه اللي داليا تقصده؟ إحنا عيشنا مع بعض عشر سنين على الحلوة والمرة، ومخبيناش عن بعض حاجة.. في إيه تاني إحنا مانعرفوش؟”

بلعت ريقي بصعوبة، وشعرت أن جدران الصالة الضيقة تضيق أكثر عليّ. نظرت إلى يوسف الصغير الذي كان يمسك بطرف قميص مريم، ثم إلى التوأم زياد وطارق، وإلى هناء التي انزوت بجانب المنضدة. كنت أعلم أن اللحظة التي طالما هربت منها طوال عقد من الزمان قد جاءت، وأن رصاصة داليا الأخيرة أصابت عمق بيتي.

تنحنحت، وحاولت أن أجمع شتات نفسي، وتحدثت بصوت يرتجف:

“اقعدوا يا ولاد.. اقعدوا وأنا هفهمكم كل حاجة.”

جلسوا جميعًا في دائرة حول طاولة الطعام البسيطة، نفس الطاولة التي شهدت كفاحنا وجوعنا وضحكاتنا النادرة. جلست على الكرسي الخشبي الذي تآكلت أطرافه، وشبكت أصابعي وأنا أنظر إلى الأرض، غير قادر على مواجهة عيونهم.

“داليا مشيت من عشر سنين.. دي الحقيقة اللي كلكم عشتوها،” بدأت حديثي والكلمات تخرج كالجمر من حلقي. “بس الحقيقة اللي داليا كانت تقصدها.. هي إني كنت عارف إنها مش راجعة من أول ربع ساعة.. ومش بس كده.. أنا اللي ساعدتها تمشي.”

وقعت الكلمات كالصاعقة على مريم. فتحت فمها لتتحدث، لكنها لم تنطق، بينما تبادل زياد وطارق نظرات حائرة.

تابعت بسرعة قبل أن تفوتني الشجاعة:

“من عشر سنين، داليا ماكنتش مجرد ست أنانية عايزة تهرب عشان تعيش في الغنى.. داليا كانت مديونة بمبالغ ضخمة لناس خطيرين بسبب تجارة فاشلة دخلت فيها من ورايا مع قرايبها. قبل ما تمشي بليلة واحدة، دخلوا علينا البيت هنا وأنا نايم، وهددوها وهددوني بيكم.. قالوا لو الفلوس مادفعتش خلال أسبوع، هياخدوا واحد من العيال.”

دمعة خانتني وسقطت على يدي المرتعشة.

“وقتها، داليا انهارbuilt. جتلها حالة نفسية صعبة، وبقت تبص ليوسف وهو في السرير وتصرخ من الخوف. في الليلة دي، قعدنا واتكلمنا.. هي قالت إن وجودها هنا خطر علينا كلنا، وإن الناس دول بيراقبوها هي مش أنا. اتفقت معايا إنها لازم تختفي تمامًا عشان ييأسوا منها ويسيبونا في حالنا. شنطة الهدوم اللي لقيتها فاضية؟ أنا اللي ساعدتها تحزمها في الفجر وهي بتعيط.. والورقة اللي كتبتها (مش هقدر أكمل)، كانت سايباها عشان لو حد سأل من بره، يبان إنها هربت لأسباب شخصية ومحدش يدور وراها من الديانين.”

1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!