يوم الجمعة كان أول اختبار حقيقي لقلبي. صحيت من النجمة، نزلت اشتريت أكبر عروسة في المحل، وهدوم وشوزات صغيرة على مقاس ست شهور، وأنا إيدي بتتفلت من بعضها من التوتر. قبل ما أنزل، أمي كانت قاعدة في الصالة الفاضية اللي فرشّناها بكنبتين على قد الحال، بصتلي والكسرة مالي عينيها وقالت بنبرة رجاء عمري ما سمعتها منها قبل كده: "خدني معاك يا طارق.. والله ما هفتح بوقي ولا هقول كلمة تزعلها، بس أشوف البت، قلب حنيني واكلني عليها يا ابني.. نفسي أضم ريحة حتة منك." بصيت لأمي، وقلبي اتقطع عليها، بس افتكرت شرط منى الحاسم.. لو أمي ظهرت، الباب ده هيتقفل للأبد. بوست إيدها وقلت لها: "سامحيني يا أمي.. مش هينفع.. خطوة خطوة لحد ما المياه ترجع لمجاريها، ادعيلي بس." نزلت وسِبتها بتبكي وبتدعيلي، والندم بياكل في عضمها. وصلت نادي المعادي الساعة تلاتة ونص.. نص ساعة كاملة واقف مستني على البوابة زي التلميذ اللي مستني نتيجته. الساعة دقت أربعة، ولمحت منى من بعيد داخلة من البوابة. كانت شايلة ليلى على كتفها.. منى كانت لابس فستان أنيق، ووشها رايق، ومفيش على ملامحها أي أثر للهم. الصدمة كانت في الراجل اللي ماشي جنبها.. خالها المستشار. كان ماشي زي الحارس الشخصي، وشه مفيش فيه ابتسامة واحدة، وكأنه جاي يحمي بنته من خطر. أول ما قربوا، عيني راحت على ليلى.. البنت أول ما شافتني برقت بعينيها الواسعة اللي شبه عيني بالظبط. مدت إيدي عشان آخدها، بس خالها حط إيده في النص وقال بصوت جهوري وهادي: "سلم الأول يا أستاذ طارق.. نقعد في مكاننا الأول." قعدنا في كافتيريا النادي.. منى حطت البنت في حضني في سكات. أول ما لمست جلدها وشميت ريحتها، انهرت.. دموعي نزلت وغرقت هدوم البنت. ليلى بدأت تلمس وشي بإيديها الصغيرة وتضحك، وكأنها عارفة إن ده أبوها. بصيت لمنى وقلت بصوت مخنوق: "منى.. أنا بموت كل يوم.. الشقة ضلمة من غيرك، أنا مستعد أبيع شقة المهندسين ونبني حياتنا في مكان جديد، بعيد عن أي حد.. اديني فرصة واحدة أثبتلك إني اتعلمت الدرس." منى بصتلي بهدوء شديد، وارتشفت بق من عصيرها وقالت: "طارق.. أنت صعبان عليا كـ إنسان.. بس كـ زوج، الصفحة دي اتقطعت واترمت في الزبالة. أنا مش زعلانة منك دلوقتي، أنا تجاوزت الصدمة وبقيت ببص لمستقبلي ومستقبل بنتي. أنا وافقت تشوف ليلى عشان دي الأصول، وعشان مش هظلم بنتي بحرمانها من أبوها.. لكن رجوع؟ أنسى يا طارق.. اللي اتكسر جوه قلبي يوم ما سبت أمك تمد إيدها عليا وتجبرني أشرب الدهن ودموعي نازلة، ميتصلحش بمكالمة ولا بشقة جديدة." خالها اتكلم ووجه كلامه ليا بحسم: "أستاذ طارق، إحنا ناس بنعرف الأصول.. الرؤية هتستمر هنا في النادي كل أسبوع.. نفقة البنت بتوصل في الميعاد وده شيء محترم منك.. بلاش تفتح مواضيع تقفل النفوس، خلينا ماشيين بالمعروف عشان البنت تتربى في جو سوي." الساعتين عدوا كأنهم دقيقتين.. الساعة جت ستة، منى مدت إيدها وخدت ليلى من حضني. البنت بدأت تعيط وتكلبش في قميصي، وكأنها مش عايزة تسيبني. تقطيع العياط ده خلى قلبي ينزف. مشوا.. وأنا فضلت قاعد مكاني في الكافتيريا لحد ما النادي بدأ يفضى والأنوار تنور. رجعت البيت، أمي جريت عليا: "شفتها يا طارق؟ شبه مين؟ منى قالتلك إيه؟" رميت الهدوم واللعب على الأرض وقلت لها: "شفتها يا أمي.. ودموعها كوت قلبي.. ومنى مبقتش شايفاني أصلاً.. إحنا خسارناهم بجد." عدى أسبوعين على المقابلات دي.. وفي يوم الجمعة التالتة، وأنا رايح النادي كالعادة ومعايا لِعب جديدة، وصلت ومقعدتش في الكافتيريا، فضلت مستني عند البوابة. الساعة جت أربعة.. أربعة ونص.. خمسة.. ومنى ومظهرتش! تليفونها مقفول، وتليفون والدتها بيدي جرس ومحدش بيرد. قلق الدنيا ركبني، دماغي ودت وجابت.. هل منى قررت تحرمني منها تاني؟ هل حصلهم حاجة؟ ركبت عربيتي وطيرت على شقة حماتي في المعادي.. وصلت وطلعت السلم جري، وبقيت أخبط على الباب بهستيريا وصوت عالي: "منى! يا طنط! افتحوا.. ليلى جرالها إيه؟" الباب اتفتح ببطء.. بس مكنتش حماتي ولا منى ولا خالها. اللي فتحت الباب كانت جارتهم، ووشها كان مقلوب وبتنهج، وأول ما شافتني حطت إيدها على صدرها وقالت بلهفة وفزع: "الحق يا استاذ طارق.. منى وبنتها في المستشفى بين الحيا والموت!" الأنوار الحمراء كانت بتطفئ وتنور برعب، وصوت صفارة جهاز ضربات القلب طالع من جوة الأوضة زي حكم إعدام بيتنقش في صدري. الممرضات داخلين طالعين بيجروا، وفي وسط الزحمة دي شفت الدكتور وهو بيضغط على صدر ليلى الصغير بصوابعه.. حتة اللحمة دي كانت بتتهز بين إيديه وهي غايبة عن الدنيا تماماً. أمي رمت نفسها في الأرض وبقت تمرغ وشها في التراب وهي بتصرخ بصوت مكتوم: "يارب خذ عمري أنا.. أنا الست العاصية اللي اتجبرت وظلمت.. سيب البت لـ أمها وأبوها يا رب وفك كربهم!" وحماتي كانت ساندة راسها على الحيطة وبتتشاهد بدموع حارقة، وخال منى واقف يداري دموعه ورا كفه. أنا مكنتش حاسس بوجودي.. كنت باصص للسقف وبقول: "يارب، لو دي عقوبتك ليا عشان كسرت بخاطر منى وجيت عليها، أنا راضي بأي حاجة.. بس بلاش بنتي.. بلاش ليلى." عدت عشر دقايق كأنهم عشر سنين، لحد ما الصفارة المستمرة لجهاز القلب رجعت تقطع تاني.. "بيك.. بيك.. بيك". الحركة جوة بدأت تهدى، والدكتور وقف وهو بيمسح عرق جبينه، وبص لنا من ورا الزجاج وهز راسه بالإيجاب.. النبض رجع واستقر، بس المحنة مخلصتش. الدكتور خرج وجسمه هدمه عرقان، قرب مني وقال بنبرة هادية بس جادة: "الحمد لله، نجحنا في الإنعاش والنبض استقر.. بس البنت دخلت في غيبوبة مؤقتة نتيجة نقص الأكسجين اللي حصل، والـ 48 ساعة الجايين هما عنق الزجاجة.. لو عدوا من غير هبوط تاني، البنت هتقوم بالسلامة." زي ما يكون ربنا أراد يديني أمل وسط الضلمة. في نفس اللحظة، ممرضة خرجت من العنبر التاني وجريت علينا وقالت: "أستاذ طارق؟ الأستاذة منى فاقت وبتتكلم.. وعمالة تصرخ وتنده على بنتها، وحالتها النفسية مخلية ضربات قلبها سريعة وغازات الدم بتسوء.. لازم حد يدخل يطمنها." حماتي مكنتش قادرة تقف على رجليها، وبصتلي وقالت: "ادخلها أنت يا طارق.. أنت اللي كنت أمانها في يوم من الأيام، يمكن صوتك يهديها.. طمنها على البت وماتقولهاش إن قلبها وقف." مشيت ورا الممرضة ورجلي بتتحرك في ممر المستشفى كأني رايح لـ محكمتي. دخلت الأوضة.. منى كانت قاعدة على السرير، وشها أصفر زي الليمونة، ومركبة خراطيم أكسجين في مناخيرها، ومحاليل في الإيدين الاتنين. أول ما الباب اتفتح وعينها جت في عيني، شفت في ملامحها نظرة خوف ورعب مكنتش منى القوية القاسية بتاعة مكتب المحامي.. كانت "الأم" اللي خايفة على ضناها. حاولت تقوم وهي بتنهج وتقلع الأكسجين: "ليلى فين يا طارق؟ بنتي جرالها إيه؟ أنطق.. بنتي ماتت صح؟ أنا حاسة بـ نار في صدري.. بنتي ماتت!" جريت عليها ومسكت إيدها المليانة محاليل، وبستها بدموع وعياط هستيري: "والله العظيم عايشة وموجودة في الحضانة جوة.. النبض مستقر والدكاترة بيقولوا هتبقى زي الفل.. اهدي عشان خاطري وعشان خاطرها.. ليلى محتاجاكي تقومي." منى بصت في عيني أوي، وكأنها بتقرأ الصدق من الكدب.. لما لقت دموعي ورعشة إيدي، بدأت تهدى ونفسها المنتظم يرجع لها بالتدريج. سحبت إيدها براحة من بين إيديا، وبصت للسقف وقالت بصوت مكسور ومبحوح من أثر الغاز: "الحمد لله.. يارب اشفيها واحميها." قعدت على الكرسي جنبها وأنا باصص للأرض ومكسوف أرفع عيني فيها. قلت لها بصوت واطي: "منى.. أمي بره.. أمي منبارح راكعة في الأرض بتدعي ل ليلى.. وتأسفت لطنط هدى وبكت في حضنها.. إحنا اتكسرنا بجد يا منى، وعرفنا إننا ظلمناكي." منى لفت وشها الناحية التانية، ودمعة نزلت من عينها على المخدة وقالت بجمود: "المستشفى مش مكان للعتاب يا طارق.. أنا كل اللي بيهمني دلوقتي إن بنتي تخرج من هنا على رجليها.. أي حاجة تانية مأجلة.. ومفيش كلام هيتفتح غير لما ليلى تنور حضني تاني." خرجت من الأوضة وأنا حاسس إن جبل انزاح من على صدري لمجرد إنها كلمتني، بس في نفس الوقت عارف إن اللي جاي أصعب. عدى اليوم الأول واليوم التاني، وإحنا مرابطين في المستشفى.. أنا وأمي وحماتي وخالها، بقينا زي العيلة الواحدة اللي بيجمعها الخوف. أمي كانت بتنزل تجيب الأكل والعصير لحماتي وتغصب عليها تشرب، وحماتي تبص لها بعين فيها لوم بس فيها قبول. وفي فجر اليوم الثالث.. اليوم الحاسم لـ ليلى. كنا قاعدين كلنا في الممر ساكتين من التعب والخوف، وفجأة، سمعنا صوت بكاء طفل صغير جاي من ورا زجاج العناية المركزة.. بكاء عالي وصوته مالي الممر كله! الدكتور خرج بسرعة من الأوضة والابتسامة مالي وشه لأول مرة، وبص لنا وقال بصوت فرحان: "مبروك يا جماعة.. البنت فاقت من الغيبوبة تماماً، ونسبة الأكسجين وصلت 100%، وبدأت تعيط وتطلب الرضاعة.. ليلى عدت الخطر وقامت بالسلامة!" أمي صرخت من الفرحة وحضنت حماتي، وأنا سجدت في الأرض شكر لله وأنا ببكي من الفرحة بعد أيام من العذاب. الدكتور بصلي وقال: "تقدروا تنقلوها لأوضة والدتها دلوقتي.. هي محتاجة حضن أمها." شيلنا ليلى ودخلنا بيها أوضة منى.. أول ما منى شافت البنت، فتحت دراعاتها والدموع نزلت من عينيها زي الشلال، وخدتها في حضنها وبقت تبوس في كل حتة في جسمها وتشم ريحتها.. الكل كان واقف يعيط من الفرحة. أمي قربت براحة وبخوف من السرير، وبصت لمنى وقالت بصوت مرعوش: "حمد الله على سلامتها يا بنتي.. ويسلم حضنك ليها." منى بصت لأمي.. النظرة مكنتش صافية تماماً، بس مكنش فيها الغل القديم.. هزت راسها وقالت بصوت هادي: "الله يسلمك يا حاجة." بعد يومين، كتبوا لمنى وليلى على خروج من المستشفى. وقفنا كلنا بره في الاستقبال.. خال منى جاب العربية، وحماتي كانت شدا شنطة الهدوم. منى كانت واقفة شايلة ليلى، وجنبها والدتها. قربت منهم وقلت لمنى وعيني مليانة رجاء: "منى.. أنا مجهز العربية عشان أوصلكم.. وشقة المهندسين أنا فضيتها تماماً، وقفلتها.. وشاري شقة جديدة في التجمع بعيد عن كل القديم.. باسمك وباسم ليلى.. مش طالب منك ترجعيلي دلوقتي، بس اديني فرصة أوصلكم وأبقى جنبكم." منى بصت لخالها، وبعدين بصتلي، وحطت إيدها على كتف ليلى وقالت بملامح غامضة: "إحنا هنروح بيت ماما يا طارق.. ليلى محتاجة رعاية هناك.. والشقة الجديدة دي.. " سكتت للحظة، وبصت في عيني أوي وكأنها بتاخد قرار هيغير حياتنا كلها..