حكايات زهره الربيع 3

منى لفت وشها الناحية التانية، ودمعة نزلت من عينها على المخدة وقالت بجمود: “المستشفى مش مكان للعتاب يا طارق.. أنا كل اللي بيهمني دلوقتي إن بنتي تخرج من هنا على رجليها.. أي حاجة تانية مأجلة.. ومفيش كلام هيتفتح غير لما ليلى تنور حضني تاني.”
خرجت من الأوضة وأنا حاسس إن جبل انزاح من على صدري لمجرد إنها كلمتني، بس في نفس الوقت عارف إن اللي جاي أصعب. عدى اليوم الأول واليوم التاني، وإحنا مرابطين في المستشفى.. أنا وأمي وحماتي وخالها، بقينا زي العيلة الواحدة اللي بيجمعها الخوف. أمي كانت بتنزل تجيب الأكل والعصير لحماتي وتغصب عليها تشرب، وحماتي تبص لها بعين فيها لوم بس فيها قبول.
وفي فجر اليوم الثالث.. اليوم الحاسم لـ ليلى.
كنا قاعدين كلنا في الممر ساكتين من التعب والخوف، وفجأة، سمعنا صوت بكاء طفل صغير جاي من ورا زجاج العناية المركزة.. بكاء عالي وصوته مالي الممر كله! الدكتور خرج بسرعة من الأوضة والابتسامة مالي وشه لأول مرة، وبص لنا وقال بصوت فرحان: “مبروك يا جماعة.. البنت فاقت من الغيبوبة تماماً، ونسبة الأكسجين وصلت 100%، وبدأت تعيط وتطلب الرضاعة.. ليلى عدت الخطر وقامت بالسلامة!”
أمي صرخت من الفرحة وحضنت حماتي، وأنا سجدت في الأرض شكر لله وأنا ببكي من الفرحة بعد أيام من العذاب. الدكتور بصلي وقال: “تقدروا تنقلوها لأوضة والدتها دلوقتي.. هي محتاجة حضن أمها.”
شيلنا ليلى ودخلنا بيها أوضة منى.. أول ما منى شافت البنت، فتحت دراعاتها والدموع نزلت من عينيها زي الشلال، وخدتها في حضنها وبقت تبوس في كل حتة في جسمها وتشم ريحتها.. الكل كان واقف يعيط من الفرحة.
أمي قربت براحة وبخوف من السرير، وبصت لمنى وقالت بصوت مرعوش: “حمد الله على سلامتها يا بنتي.. ويسلم حضنك ليها.”
منى بصت لأمي.. النظرة مكنتش صافية تماماً، بس مكنش فيها الغل القديم.. هزت راسها وقالت بصوت هادي: “الله يسلمك يا حاجة.”
بعد يومين، كتبوا لمنى وليلى على خروج من المستشفى. وقفنا كلنا بره في الاستقبال.. خال منى جاب العربية، وحماتي كانت شدا شنطة الهدوم. منى كانت واقفة شايلة ليلى، وجنبها والدتها.
قربت منهم وقلت لمنى وعيني مليانة رجاء: “منى.. أنا مجهز العربية عشان أوصلكم.. وشقة المهندسين أنا فضيتها تماماً، وقفلتها.. وشاري شقة جديدة في التجمع بعيد عن كل القديم.. باسمك وباسم ليلى.. مش طالب منك ترجعيلي دلوقتي، بس اديني فرصة أوصلكم وأبقى جنبكم.”
منى بصت لخالها، وبعدين بصتلي، وحطت إيدها على كتف ليلى وقالت بملامح غامضة: “إحنا هنروح بيت ماما يا طارق.. ليلى محتاجة رعاية هناك.. والشقة الجديدة دي.. ” سكتت للحظة، وبصت في عيني أوي وكأنها بتاخد قرار هيغير حياتنا كلها..

