حكايات زهره الربيع 3

عدت عشر دقايق كأنهم عشر سنين، لحد ما الصفارة المستمرة لجهاز القلب رجعت تقطع تاني.. “بيك.. بيك.. بيك”. الحركة جوة بدأت تهدى، والدكتور وقف وهو بيمسح عرق جبينه، وبص لنا من ورا الزجاج وهز راسه بالإيجاب.. النبض رجع واستقر، بس المحنة مخلصتش.

الدكتور خرج وجسمه هدمه عرقان، قرب مني وقال بنبرة هادية بس جادة: “الحمد لله، نجحنا في الإنعاش والنبض استقر.. بس البنت دخلت في غيبوبة مؤقتة نتيجة نقص الأكسجين اللي حصل، والـ 48 ساعة الجايين هما عنق الزجاجة.. لو عدوا من غير هبوط تاني، البنت هتقوم بالسلامة.”

زي ما يكون ربنا أراد يديني أمل وسط الضلمة. في نفس اللحظة، ممرضة خرجت من العنبر التاني وجريت علينا وقالت: “أستاذ طارق؟ الأستاذة منى فاقت وبتتكلم.. وعمالة تصرخ وتنده على بنتها، وحالتها النفسية مخلية ضربات قلبها سريعة وغازات الدم بتسوء.. لازم حد يدخل يطمنها.”

حماتي مكنتش قادرة تقف على رجليها، وبصتلي وقالت: “ادخلها أنت يا طارق.. أنت اللي كنت أمانها في يوم من الأيام، يمكن صوتك يهديها.. طمنها على البت وماتقولهاش إن قلبها وقف.”

مشيت ورا الممرضة ورجلي بتتحرك في ممر المستشفى كأني رايح لـ محكمتي. دخلت الأوضة.. منى كانت قاعدة على السرير، وشها أصفر زي الليمونة، ومركبة خراطيم أكسجين في مناخيرها، ومحاليل في الإيدين الاتنين. أول ما الباب اتفتح وعينها جت في عيني، شفت في ملامحها نظرة خوف ورعب مكنتش منى القوية القاسية بتاعة مكتب المحامي.. كانت “الأم” اللي خايفة على ضناها.

حاولت تقوم وهي بتنهج وتقلع الأكسجين: “ليلى فين يا طارق؟ بنتي جرالها إيه؟ أنطق.. بنتي ماتت صح؟ أنا حاسة بـ نار في صدري.. بنتي ماتت!”

جريت عليها ومسكت إيدها المليانة محاليل، وبستها بدموع وعياط هستيري: “والله العظيم عايشة وموجودة في الحضانة جوة.. النبض مستقر والدكاترة بيقولوا هتبقى زي الفل.. اهدي عشان خاطري وعشان خاطرها.. ليلى محتاجاكي تقومي.”

منى بصت في عيني أوي، وكأنها بتقرأ الصدق من الكدب.. لما لقت دموعي ورعشة إيدي، بدأت تهدى ونفسها المنتظم يرجع لها بالتدريج. سحبت إيدها براحة من بين إيديا، وبصت للسقف وقالت بصوت مكسور ومبحوح من أثر الغاز: “الحمد لله.. يارب اشفيها واحميها.”

قعدت على الكرسي جنبها وأنا باصص للأرض ومكسوف أرفع عيني فيها. قلت لها بصوت واطي: “منى.. أمي بره.. أمي منبارح راكعة في الأرض بتدعي ل ليلى.. وتأسفت لطنط هدى وبكت في حضنها.. إحنا اتكسرنا بجد يا منى، وعرفنا إننا ظلمناكي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!